صوّتت الاتحادات الوطنية الـ55 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا” بالإجماع لصالح مقاطعة بطولات كأس العالم ومسابقات الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، إذا مضى رئيس فيفا جياني إنفانتينو في خطته لإشراك مستثمرين من القطاع الخاص في ملكية مسابقات الاتحاد الدولي.
وجاء القرار خلال اجتماع طارئ عقده يويفا عبر تقنية الاتصال المرئي، الخميس، برئاسة رئيس الاتحاد ألكسندر تشيفيرين، لمناقشة خطة أعلنها فيفا في وقت سابق هذا الأسبوع لإنشاء شركة تجارية تابعة تتولى إدارة أبرز بطولاته، بما فيها كأس العالم، مع إتاحة بيع حصص فيها لمستثمرين خارجيين.
وقال يويفا إن الاتحادات الأوروبية “تقف صفا واحدا”، مؤكدا رفضها “بالإجماع وبشكل قاطع” نقل حصص الملكية في كأس العالم وغيرها من مسابقات فيفا إلى مستثمرين من القطاع الخاص.
“كأس العالم ليست للبيع“
رفع يويفا سقف اعتراضه على الخطة، قائلا إن كأس العالم “لا يمكن التعامل معها باعتبارها منتجا استثماريا”، وإنها تمثل أحد أعظم إرث كرة القدم الرياضي، بعدما بناها اللاعبون والمنتخبات والجماهير عبر أجيال وفي مختلف قارات العالم.
وقال الاتحاد الأوروبي إن “لا أحد يملك الحق الأخلاقي في بيع ما اؤتمن عليه من الأجيال القادمة”، مؤكدا أنه لا ينبغي التنازل عن أي جزء من كأس العالم لمستثمرين من القطاع الخاص، ومشددا على عبارته: “كأس العالم ليست للبيع”.
ويمتد تهديد المقاطعة إلى جميع مسابقات فيفا، بما فيها كأس العالم للرجال والسيدات وكأس العالم للأندية، إذا أقرت الاتحادات الأعضاء مقترحات إنفانتينو.
وقد يكون أول اختبار عملي للموقف الأوروبي في أكتوبر/تشرين الأول، عندما يفترض إقامة الملحق المؤهل إلى كأس العالم للسيدات.
خطة إنفانتينو
تقوم خطة إنفانتينو على إنشاء شركة تجارية تابعة لفيفا تتولى إدارة أبرز بطولاته وحقوقها التجارية والتشغيلية، مع السماح لمستثمرين من خارج المنظومة بشراء حصص فيها.
وأطلق فيفا على الشركة الجديدة اسم “Fifa Forward Enterprise”، أو “FFE”، وقال إنه سيتيح لأطراف ثالثة القيام باستثمارات أقلية وغير مسيطرة فيها، فيما ورد في تفاصيل الخطة أن الحصص المطروحة للمستثمرين والكيانات الخاصة قد تصل إلى 20 في المئة.
وقال فيفا إن الشركة ستكون مملوكة ومدارة من قبله، وستعمل على توحيد عملياته التجارية وتنظيم البطولات والفعاليات، مع احتفاظ الاتحاد بالسيطرة الكاملة على الشركة والسلطة الحصرية في إدارة كرة القدم والمسابقات وجدول المباريات وجميع القرارات التنظيمية والرياضية.
ويقول فيفا إن الخطة ستتيح زيادة التمويل المقدم لكل اتحاد عضو من 8 ملايين دولار إلى 20 مليون دولار خلال دورة 2027-2030، على أن توجه الزيادة إلى دعم البنية التحتية والتدريب والمنتخبات الوطنية والمسابقات وكرة القدم الشعبية وكرة القدم النسائية.
وتحتاج الخطة إلى موافقة الاتحادات الـ211 الأعضاء في فيفا عبر التصويت.
40 مليون دولار للاتحادات
كتب إنفانتينو إلى الاتحادات الأعضاء قائلا إنها ستحصل على 40 مليون دولار إذا أيدت المقترح، وحدد 19 سبتمبر/أيلول موعدا نهائيا للاتحادات الراغبة في الاستفادة من دفعة أولى قيمتها 20 مليون دولار.
وفي تسجيل مصور نشره فيفا الأربعاء، دافع إنفانتينو عن الخطة ووصفها بأنها “عرض وليس التزاما”.
ويُقدّر حجم الخطة بنحو 20 مليار دولار، بينما يعتزم فيفا، وفق ما أعلنه، الحصول على الدفعة الأولى من أموال “الاستثمار الخاص” بحلول نهاية أكتوبر/تشرين الأول.
وفي حال إقرار المشروع، يتوقع فيفا أن تتولى شركة “ثرايف إترنال” قيادة مجموعة المستثمرين المقترحة في شركة FFE. وتعد “ثرايف” شركة أميركية لرأس المال المغامر أسسها جوشوا كوشنر، شقيق جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وقال مصدر في فيفا لـ”بي بي سي سبورت” إنه لم تجر أي مناقشات بشأن تولي إنفانتينو، أو أي شخص آخر، منصب الرئيس التنفيذي لشركة FFE.
وقال البيت الأبيض إنه “لا شيء” لديه ليقوله في الوقت الحالي بشأن مقترحات رئيس فيفا.
اجتماع أوروبي متوتر
كشفت أجواء الاجتماع الأوروبي عن قوة المعارضة للخطة، إذ كانت رئيسة الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم ديبي هيويت والرئيس التنفيذي للاتحاد مارك بولينغهام من بين المتحدثين خلال الاجتماع الذي وصف بأنه شديد التوتر.
وهيويت واحدة من ثمانية نواب لرئيس فيفا، لكنها لم تكن على علم بالمناقشات التي أجراها إنفانتينو بشأن المقترحات.
وكان يويفا قد أعلن معارضته للخطة في بيانين شديدي اللهجة قبل أن يجدد الخميس موقفه الرافض لها، بعدما اتهم فيفا الأربعاء باستخدام كرة القدم “لإثراء أنفسهم وأصدقائهم”.
وقال يويفا إن إعداد مقترح بهذه الأهمية “في السر” ومن دون “أي تشاور حقيقي” مع الجهات التي تتولى إدارة اللعبة أمر “غير مسؤول وغير قابل للدفاع عنه”.
وأضاف أن الأمر لا يمثل فقط “فشلا عميقا في القيادة”، بل “تخليا من فيفا عن واجبه باعتباره الجهة المؤتمنة على كرة القدم العالمية”.
ووصف الاتحاد الأوروبي ما تواجهه الاتحادات الوطنية حول العالم بأنه خيار أشبه بالإنذار النهائي: إما قبول الاستحواذ غير القابل للعكس على أكبر مسابقات كرة القدم، أو تحمل العواقب.
وقال إن هذا “ليس قرارا ديمقراطيا، بل إدارة تقوم على الترهيب، وفعل إكراه لا يليق بمؤسسة اؤتمنت على رعاية اللعبة العالمية”.
ثقل أوروبا في المونديال
رغم أن أوروبا تمثل نحو ربع أعضاء فيفا، فإنها تضم معظم المنتخبات الأكثر نجاحا في تاريخ كأس العالم.
ومن بين المنتخبات الثمانية التي بلغت ربع نهائي كأس العالم هذا الصيف، كان ستة منتخبات أوروبية، بينها إسبانيا المتوجة باللقب. وفي نسختي 2022 و2018، بلغ عدد المنتخبات الأوروبية في الدور ذاته خمسة وستة على التوالي.
ومن أصل 23 نسخة لكأس العالم أقيمت حتى الآن، فازت دول أوروبية باللقب في 13 نسخة، مقابل عشرة ألقاب ذهبت إلى منتخبات من أميركا الجنوبية.
ويعني غياب أوروبا عن كأس العالم 2030، في حال تنفيذ المقاطعة، ابتعاد منتخبات مثل إسبانيا بطلة العالم الحالية، وفرنسا وإنجلترا اللتين وصلتا إلى نصف النهائي.
كما ستطال المقاطعة كأس العالم للسيدات في البرازيل العام المقبل، إذ سيغيب ثلاثة من المنتخبات الأربعة التي بلغت نصف نهائي النسخة الأخيرة، وبينها إسبانيا حاملة اللقب.
“تهديد وجودي“
وصفت لورا ماكاليستر، نائبة رئيس يويفا ولاعبة منتخب ويلز السابقة، مقترحات فيفا بأنها “تهديد وجودي حقيقي للعبة”.
وقالت لإذاعة “بي بي سي راديو ويلز” إنها تأمل ألا تصل الأزمة إلى حد المقاطعة، معربة عن تفاؤلها بعدم حدوث ذلك، لأن “واقع كرة القدم العالمية هو أن القوة الكبرى فيها تتمثل في أوروبا”.
وفي حديثها إلى برنامج “بي إم” على راديو 4، قالت ماكاليستر إن هناك “وحدة حقيقية” بين أعضاء يويفا، وإن التوافق على ضرورة اتخاذ أقوى إجراء ممكن في مواجهة ما وصفته بالتهديد الوجودي جاء بسهولة.
وأضافت أن الاتحادات لم تجد خيارا سوى توجيه تهديد يتناسب مع ما وصفته بالمقترح “المروع والكارثي”، الذي جرى دفعه بصورة متعجلة من دون بذل العناية الواجبة أو تطبيق حوكمة سليمة أو إجراء مشاورات.
إنجلترا واسكتلندا تدعمان الموقف
أكد الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم وقوفه “كتفا إلى كتف” مع نظرائه الأوروبيين، ودعمه “بشكل كامل للموقف الجماعي”.
وقال متحدث باسم الاتحاد إن إنجلترا تعارض خطط فيفا، مضيفا أن “كأس العالم ملك لكرة القدم وستظل كذلك دائما”.
وأعلن الاتحاد الاسكتلندي لكرة القدم دعمه أيضا، قائلا إن مجلس إدارته “يتفق بشكل قاطع مع المخاوف” التي أثارها جميع الأعضاء بشأن الطريقة التي طرحت بها المقترحات والموعد النهائي المحدد لها، من دون عملية تشاور كاملة أو مراعاة لمبادئ الحوكمة الرشيدة.
ويرأس مايك مولرني، رئيس الاتحاد الاسكتلندي لكرة القدم، لجنة الشؤون المالية في فيفا.
وقالت وزيرة الثقافة البريطانية ليزا ناندي إن بلادها تدعم الموقف باعتباره “قرارا مبدئيا”، مضيفة أن كرة القدم ملك للجماهير وليست للمستثمرين المليارديرات، وأن الوقت حان لاتخاذ موقف لحماية اللعبة.
وكان رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام قد انتقد الخطة الثلاثاء، وقال إن المضي فيها يعني أن فيفا “باع اللعبة”.
ووصف رونان إيفان، المدير التنفيذي لمنظمة “مشجعو كرة القدم في أوروبا”، موقف يويفا بأنه “مثير للإعجاب للغاية” و”استعراض حقيقي للقوة”، وقال إنه الرد الذي كانت كرة القدم تحتاج إليه، وإنفانتينو يستحقه.
اعتراضات خارج أوروبا
لم يقتصر الاعتراض على أوروبا. وقبل إعلان يويفا موقفه، قالت الكونكاكاف، التي تضم اتحادات أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي واستضافت كأس العالم هذا العام، إنها تشعر “بقلق بالغ إزاء غياب الإجراءات الواجبة”.
وقال الاتحاد الآسيوي لكرة القدم إنه يشعر “بخيبة أمل” لعدم استشارته قبل طرح الخطط على الرأي العام.
وأعلن الاتحاد الأفريقي لكرة القدم أن رئيسه باتريس موتسيبي سيترأس الأسبوع المقبل اجتماعا للجنة التنفيذية بهدف “تقييم ودراسة” المقترحات.
وطلب اتحاد روابط الدوريات العالمية من فيفا سحب المشروع، بينما قالت رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز، وهي عضو في الاتحاد، إنها “تؤيد تماما” هذا الموقف.
اختبارات مقبلة
لا تزال أسئلة عديدة بلا إجابات بشأن الخطوة التالية في المواجهة.
وطُلب من فيفا التعليق على بيان يويفا، لكن لم يتضح كيف سيرد الاتحاد الدولي وإنفانتينو على التصعيد الأوروبي.
كما لا يزال مصير كأس العالم للسيدات تحت 20 عاما غير واضح. ومن المقرر إقامة البطولة في بولندا اعتبارا من 5 سبتمبر/أيلول، أي قبل الموعد النهائي الذي حدده فيفا في 19 سبتمبر/أيلول للاتحادات الراغبة في الحصول على الدفعة الأولى البالغة 20 مليون دولار بحلول الأول من يناير/كانون الثاني.
ولا يزال حجم التأثير الذي سيتركه موقف الخميس على هدف فيفا المعلن بتحصيل الدفعة الأولى من أموال “الاستثمار الخاص” بحلول نهاية أكتوبر/تشرين الأول غير معروف.
وقال ديفيد برنشتاين، الرئيس السابق للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، لـ”بي بي سي سبورت” إنه يعتقد أن إنفانتينو “مضطر هذه المرة إلى التراجع”.
وأضاف أن الصفقة غير مقبولة، وأن هناك طرقا أخرى وأفضل لجمع رأس المال.
وقال برنشتاين إنه في مؤسسة طبيعية، إذا اضطر الرئيس إلى التراجع عن أمر بهذا الحجم، فمن المرجح أن يعني ذلك إقالته، لكنه أضاف أن فيفا “ليس مؤسسة طبيعية”، وأن إنفانتينو سيواصل طريقه إذا حظي بدعم عدد كاف من الاتحادات الوطنية.
خطر الانقسام
إذا لم يتم التوصل إلى حل، سيجد يويفا نفسه خارج منظومة الإدارة العالمية لكرة القدم.
لكن برنشتاين لا يعتقد أن الأزمة ستصل إلى هذه المرحلة، قائلا إنه لا يستطيع تصديق أن يحدث انقسام طويل الأمد، لأن ذلك سيكون خسارة للجميع.
وأضاف أن فيفا لا يستطيع تحمل غياب المنتخبات الأوروبية عن مسابقاته، كما أن أوروبا لا تستطيع، بصراحة، تحمل الابتعاد عنها.
وتكشف أرقام البطولات الكبرى عن حجم التداعيات المحتملة. فغياب المنتخبات الأوروبية عن كأس العالم سيحرم البطولة من ثلاثة من أصل أربعة منتخبات بلغت نصف النهائي في النسخة الحالية، ومن ستة من أصل ثمانية منتخبات في ربع النهائي.
وفي كأس العالم للسيدات الأخيرة، كانت ثلاثة منتخبات أوروبية من أصل أربعة في الدور نصف النهائي، كما كانت ثلاثة منتخبات أوروبية من أصل أربعة في نصف نهائي كأس العالم للأندية العام الماضي.
ويصعب، في حال غياب المشاركة الأوروبية، تصور قدرة فيفا على تحقيق العائدات التجارية التي يحتاج إليها لتمويل المبالغ التي يعرضها على الاتحادات.
أزمة تتجاوز السوبر ليغ
يرى سايمون ستون، كبير مراسلي أخبار كرة القدم، أن القضية تضاهي في أهميتها أزمة دوري السوبر الأوروبي، باعتبارها واحدة من أكبر الأزمات التي واجهتها كرة القدم.
ويقول ستون إن صفقات انتقال اللاعبين قد تكون ضخمة، لكن أزمة السوبر ليغ والقضية الحالية تمسان جوهر كرة القدم وطبيعة اللعبة والهياكل التي تقوم عليها.
ويرى أن النتيجة المنطقية لدخول الاستثمار الخاص إلى مسابقات فيفا ستكون في نهاية المطاف توسيع هذه البطولات من حيث الحجم وعدد مرات إقامتها، وهو ما سيزيد الضغط على روزنامة المباريات، ويمتد تأثيره إلى مختلف مستويات كرة القدم المحلية ويؤثر في هيكل اللعبة داخل كل دولة.
ويعرف يويفا، الذي تعرض هو نفسه لانتقادات بسبب توسيع مسابقاته للأندية، أنه يمتلك القدرة على إيقاف خطة فيفا.
غياب المنتخبات الأوروبية عن كأس العالم سيعني، في النسخة الحالية، غياب ثلاثة من أصل أربعة منتخبات بلغت نصف النهائي، وستة من أصل ثمانية منتخبات وصلت إلى ربع النهائي. وفي كأس العالم للسيدات الأخيرة، كانت ثلاثة من أربعة منتخبات في نصف النهائي أوروبية، وكذلك الحال في نصف نهائي كأس العالم للأندية العام الماضي.
ويقول ستون إن حجم القضية لا يمكن التقليل من شأنه، وإنها تمثل حدثا بالغ الأهمية لكرة القدم العالمية، في وقت تتجه فيه المواجهة بين فيفا ويويفا إلى اختبار غير مسبوق بشأن ملكية البطولات الكبرى وطريقة إدارة اللعبة العالمية.
