تواجه الولايات المتحدة ضغوطاً متزايدة لإعادة بناء مخزونات أسلحتها بعد الاستهلاك المكثف للذخائر خلال الحرب مع إيران، في وقت تحذر فيه تقديرات نقلتها صحيفة “نيويورك تايمز” من أن تراجع القدرات الأمريكية قد يدخل في حسابات روسيا والصين بشأن أي مواجهة مستقبلية مع واشنطن.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين كبار وخبراء دفاع أن آثار النقص قد تستمر إلى ما بعد انتهاء ولاية إدارة الرئيس دونالد ترامب، ما قد يجعل الإدارات الأمريكية المقبلة أكثر عرضة لهجمات روسية وصينية.
وقال توم كاركو، الباحث البارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن استنزاف مخزونات الذخائر يمثل “تدميراً لجيل كامل من وسائل الردع التقليدي”.
وأضاف: “من المستحيل ألا يكون لذلك تأثير كبير في حسابات روسيا والصين عند اتخاذ القرارات. وقد تقدم الدولتان على خطوة محسوبة بعناية وفي التوقيت الذي تختارانه، لأن إعادة بناء هذه المخزونات ستستغرق سنوات”.
صواريخ وذخائر بمليارات الدولارات
وتكشف أرقام الاستخدام العسكري حجم الضغط الذي تعرضت له الترسانة الأمريكية خلال الحرب مع إيران.
فقد أفادت “رويترز” بأن الولايات المتحدة استهلكت “تقريباً كل” صواريخها بعيدة المدى عالية الدقة، التي تبلغ تكلفة إنتاج الواحد منها نحو مليون دولار.
وبحسب “واشنطن بوست”، أطلقت القوات الأمريكية خلال الشهر الأول من الحرب أكثر من 850 صاروخاً من طراز توماهوك، وأكثر من ألف صاروخ من منظومة الدفاع الجوي للارتفاعات العالية “ثاد”، إضافة إلى استخدام ما لا يقل عن 1,300 صاروخ باليستي تكتيكي.
وأفادت “نيويورك تايمز” بأن الولايات المتحدة استخدمت كذلك ما لا يقل عن 1,500 صاروخ اعتراضي من طراز باتريوت.
وبحسب مصادر تحدثت إلى الصحيفة شريطة عدم الكشف عن هويتها، تراجع مخزون صواريخ باتريوت الاعتراضية إلى نحو 1,700 صاروخ.
ولم تقتصر آثار الاستنزاف على المخازن، إذ اضطرت وزارة الدفاع الأمريكية إلى إعادة نشر سفن وطائرات ووحدات دفاع جوي من آسيا وأوروبا إلى الشرق الأوسط.
وقال مسؤولون أمريكيون للصحيفة إن عمليات إعادة الانتشار خلفت “تداعيات متسلسلة” على معنويات القوات وصيانة المعدات.
نقص الذخائر يتحول إلى قضية سياسية
ومع تزايد الحديث عن مستويات المخزون، تحولت القضية إلى مصدر توتر داخل الإدارة الأمريكية.
وذكرت “نيويورك تايمز” أن الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، أبلغ ترامب بنقص الذخائر قبل بدء الحرب مع إيران، وكان يسعى إلى إيجاد “مخارج” للصراع، لكن الرئيس اختار مواصلة العمليات.
كما أصبحت مستويات الذخائر عاملاً مؤثراً في قرارات ترامب اللاحقة بشأن الحملة العسكرية. وبحسب التقارير، قرر الرئيس عدم تنفيذ حملة قصف واسعة كان قد هدد بها الشهر الماضي، وسط مخاوف مرتبطة بانخفاض المخزون.
وأفادت “واشنطن بوست” بأن ترامب واجه وزير الدفاع بيت هيغسيث بشأن النقص، بعدما كان يعتقد أن المشكلة “تم حلها”.
وأثارت التسريبات المتعلقة بمستويات الذخائر غضب ترامب، الذي بدأ البحث عن الموظفين الذين سربوا المعلومات، فيما طلب من مستشاريه التقليل من أهمية المشكلة أو تحميل الإدارات السابقة مسؤوليتها، لتجنب إظهار ضعف أمام روسيا والصين.
في المقابل، تؤكد الإدارة الأمريكية أن قطاع الصناعات الدفاعية يعمل على زيادة الإنتاج.
وقال ترامب في يوليو/تموز: “شركاتنا الدفاعية تنتج في الوقت الراهن ذخائر أكثر من أي وقت مضى، إلى جانب توسيع مصانعها ومعداتها بمستويات قياسية”.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، في بيان نقلته “نيويورك تايمز”: “شركاتنا الدفاعية تنتج ذخائر أكثر من أي وقت مضى، بينما توسع مصانعها ومعداتها بسرعة وبمستويات قياسية”.
وأضافت: “أي شخص مُخوّل بالوصول إلى معلومات عسكرية سرية ويسربها إلى وسائل الإعلام يخون الأمانة الموكلة إليه وينتهك القانون الفيدرالي، ويجب أن يخضع للملاحقة إلى أقصى حد يسمح به القانون”.
كما قال ترامب إن الولايات المتحدة تمتلك “ذخائر أكثر بكثير من أي دولة أخرى في العالم”، وإن لديها “أكثر بكثير مما نحتاج إليه”.
أوكرانيا تواجه أثر نقص الصواريخ الاعتراضية
وتظهر آثار تراجع المخزونات الأمريكية خارج حدود الولايات المتحدة أيضاً، ولا سيما في أوكرانيا التي تعتمد بدرجة كبيرة على الأسلحة والذخائر الأمريكية لمواجهة الهجمات الروسية.
وبسبب حجب الولايات المتحدة بعض الأسلحة عن كييف، لم تتمكن أوكرانيا من حماية نفسها بالشكل الكافي من الهجمات الروسية، وفق ما أوردته “نيويورك تايمز”.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن الصواريخ الاعتراضية التي تحتاجها بلاده “كان يمكن أن تنقذ أرواح” عشرات الأشخاص الذين قتلوا في هجوم روسي الأسبوع الماضي.
وأضاف أن “نقص الصواريخ الاعتراضية الباليستية هو تحديداً ما يشجع روسيا على شن مثل هذه الهجمات التي تحصد أرواحاً بشرية”.
وفي تطور مرتبط بذلك، تراجع ترامب مؤخراً عن موافقته المعلنة على منح زيلينسكي ترخيصاً لإنتاج صواريخ باتريوت الاعتراضية، رغم أن الرئيس الأوكراني يبدو أنه يواصل التفاوض مع شركات الدفاع الأمريكية.
وفي موسكو، قوبل تراجع المخزونات الأمريكية بقراءة مختلفة. فقد اعتبر مدونون مؤيدون للكرملين أن انخفاض الترسانة الأمريكية يصب في مصلحة روسيا.
وكتب ألكسندر كوتس، المدون المؤيد لروسيا والمتخصص في تغطية الحرب: “الوضع يتشكل بصورة مواتية للغاية”.
وأضاف: “كلما قلّت الأسلحة الأمريكية الموجهة بدقة، قلّ ما سيصل منها إلى أوكرانيا”.
وقال كوتس إن استمرار تقديم المساعدات لأوكرانيا قد يصبح مستحيلاً بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية التي ستخلف ترامب إذا كانت الترسانات قد استُنزفت، مضيفاً أن “ذلك سيكون مستحيلاً مع ترسانات فارغة”.
آسيا في دائرة التأثير
ولا تقتصر تداعيات نقص الأسلحة على الحرب الروسية الأوكرانية، إذ تمتد إلى الحسابات الأمريكية في آسيا، حيث تستعد واشنطن لاحتمال قيام الصين بالسيطرة على تايوان.
وخلال الحرب مع إيران، حوّل الجيش الأمريكي مسار شحنات من صواريخ توماهوك وغيرها من الصواريخ بعيدة المدى كانت مخصصة للقيادة الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وفي خطوة أخرى، جرى تحويل أنظمة دفاع جوي من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط، ما ترك القوات الأمريكية الموجودة في كوريا الجنوبية عرضة لهجمات محتملة من كوريا الشمالية، وفق مصادر تحدثت إلى “نيويورك تايمز”.
وترى الصحيفة أن روسيا والصين تدركان منذ فترة طويلة أن مخزونات الأسلحة الأمريكية تتراجع تدريجياً، فيما بدأت تداعيات ذلك تظهر في حسابات حلفاء واشنطن.
وقال مسؤولون آسيويون للصحيفة إنهم يخشون أن تبدأ كوريا الجنوبية واليابان في تطوير أسلحة نووية لتوفير وسائل ردع خاصة بهما.
وفي أوروبا، بدأت دول حليفة للولايات المتحدة في شراء المزيد من الأسلحة من دول أخرى، في ظل تراكم الطلبات وتأخر الإمدادات الأمريكية.
مخاوف من اختبار روسي لحلف الناتو
ويرى محللون تحدثوا إلى “نيويورك تايمز” أن استمرار الحرب في إيران لفترة طويلة قد يصب في مصلحة بكين وموسكو، وقد يدفع روسيا إلى التفكير في توغل داخل أراضي حلف شمال الأطلسي إذا اعتقدت أنها قادرة في نهاية المطاف على الصمود لفترة أطول من الولايات المتحدة.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في ظل إعادة توزيع القوات والأسلحة الأمريكية بين مناطق مختلفة، وهو ما يفرض على وزارة الدفاع التعامل في الوقت نفسه مع احتياجات العمليات الحالية وإعادة بناء المخزونات.
البنتاغون يطالب بتسريع الإنتاج
وفي محاولة لمعالجة النقص، أبلغت وزارة الدفاع الأمريكية قادة قطاع الصناعات الدفاعية بضرورة إعداد خطط لزيادة إنتاج الأسلحة وتسريع عمليات التسليم، وفق ما أوردته “واشنطن بوست” نقلاً عن مذكرة صادرة عن الوزارة.
وكتب نائب وزير الدفاع ستيف فاينبرغ في المذكرة أن أمام قادة القطاع 21 يوماً كحد أقصى لتقديم خطط تهدف إلى “تسريع جداول التسليم بصورة كبيرة وبشكل أكثر هجومية و/أو زيادة إنتاج القدرات الحيوية”.
وأضاف: “دورات التطوير التي تستغرق سنوات غير مقبولة. علينا أن نسرّع بشكل كبير جداول برامجنا وأن نوسع قدراتنا الإنتاجية الآن”.
