أقرت حكومة جيورجيا ميلوني حزمة قرارات تقيّد الوجود المهاجر داخل المنظومة التعليمية الإيطالية، في خطوة يقرأها مراقبون كمحاولة لامتصاص غضب القاعدة الشعبية المتشددة وقطع الطريق على صعود كيانات أقصى اليمين.
ويضع المرسوم الحكومي الجديد حداً أقصى لا يتجاوز 30% لنسبة الطلاب غير المتقنين للإيطالية داخل الفصول، مقترناً بقرار حظر ارتداء البرقع والنقاب في الحرم المدرسي.
وتلزم التعديلات، التي ستدخل حيز التنفيذ في الموسم الدراسي 2027-2028، إحالة أولياء أمور الطلاب المتعثرين لغوياً أو اندماجياً إلى الخدمات الاجتماعية، وإجبارهم على حضور دورات مجانية لمحو الأمية، تحت طائلة غرامات مالية تصل إلى 1000 يورو للممتنعين.
ووفقاً لوزير التعليم جوزيبي فالديتارا، لن تمس هذه القيود سوى 0.3% من الفصول على مستوى البلاد (نحو ألف فصل دراسي). كما استثنى القرار صراحةً أبناء المهاجرين المولودين والناشئين في إيطاليا، ومن أتموا عامين في دور الحضانة أو ثلاث سنوات دراسية متصلة.
وفي تبريرها للقرار، وصفت ميلوني الإجراءات بأنها “تدابير منطقية تساند الاندماج الفعلي ولا تهدف للتقسيم”، غير أن هذا الخطاب جاء مخففاً مقارنة بتصريحات أدلت بها أمام الجناح الشبابي لحزبها “إخوة إيطاليا”، حين رفضت بشكل قاطع أن “يتحول الأطفال الإيطاليون إلى أقلية مهمشة داخل فصولهم”.
حسابات الاقتراع وضغط “المستقبل الوطني”
تُردّ هذه التحولات الحادة في الخطاب الحكومي، بحسب أستاذ العلوم السياسية بجامعة فلورنسا ماركو تارتشي، إلى تنامي نفوذ حزب “المستقبل الوطني” (FN) الراديكالي منذ فبراير الماضي.
وتمنح استطلاعات الرأي هذا الحزب الصاعد نحو 8% من الأصوات، متفوقاً على حليفي ميلوني التقليديين؛ “الرابطة” و”فورتسا إيطاليا”.
ويستغل زعيم الحزب الجديد، الجنرال السابق روبرتو فاناتشي – صاحب المؤلفات المثيرة للجدل بمحتواها المعادي للمسلمين واليهود ومجتمع الميم – حالة الإحباط لدى قواعد ميلوني الانتخابية التي ساندتها سابقاً حين كانت تلوح بـ”الحصار البحري” وتحذر من “الاستبدال العرقي”.
ويطرح فاناتشي اليوم بياناً انتخابياً أكثر تطرفاً يروج لـ”إعادة التهجير” وإنكار حق الإجهاض، ما يجبر رئيسة الوزراء على استعادة لغتها المعارضة القديمة لاحتواء النزيف الجماهيري.
وفي هذا السياق، ترى الباحثة في منظمة العفو الدولية إليسا دي بيري، أن تضخيم ميلوني الأخير لأزمة اقتحام المهاجرين لجيب سبتة الإسباني – رغم انتفاء صلتها بإيطاليا أو منطقة شنغن – يمثل “بروفة” للنهج العدائي المرتقب.
وتتوقع دي بيري تصعيداً في شيطنة ملف الهجرة للتغطية على الإخفاقات السياسية، لاسيما الكلفة الباهظة والفشل القانوني المتكرر لاتفاقية الاحتجاز الخارجي مع ألبانيا.
أزمة مفتعلة وتجاهل للانهيار البنيوي
اصطدمت التحركات الحكومية بجدار رفض حقوقي وسياسي واسع. فقد اعتبرت منظمة “أنقذوا الأطفال” أن المرسوم سيخلق طبقية تعليمية تفرز طلاباً من “الدرجة الأولى والثانية”.
في حين قللت دانييلا إيونيتا، من حركة “إيطاليون بلا جنسية”، من جدية الطرح الحكومي، مذكرة بأن سقف الـ 30% كان قد اقتُرح منذ عام 2010 دون جدوى، وأن ظاهرة النقاب شبه معدومة في المدارس أساساً.
وأكدت إيونيتا أن 60% من التلاميذ المستهدفين هم إيطاليو المولد يعانون من تعقيدات إدارية لنيل الجنسية، معتبرة المرسوم مجرد أداة لإخفاء “خواء الإنجازات” السياسية والاقتصادية لحكومة ميلوني.
وعلى الجبهة السياسية، شنت زعيمة الحزب الديمقراطي المعارض إيلي شلاين هجوماً لاذعاً، واصفة المرسوم بـ”المخزي”.
ووضعت شلاين الإجراءات في سياق “حملة مطاردة تستهدف الأطفال” للتعمية على المعاناة الحقيقية للأسر الإيطالية مع تداعي البنية التحتية للمدارس، وغلاء الكتب المنهجية، والرواتب المتدنية للمعلمين، في ظل أربع سنوات متواصلة من الاقتطاعات المالية الحكومية.
