فجر جناح متشدد في إيران حرباً شعواء على فريقه التفاوضي، متهماً إياه بالعمالة والتقصير، ومتوعداً بإسقاط أي تسوية قبل أن تبصر النور.
ورصدت “التلغراف” البريطانية تصعيداً وصفته بـ”الأساليب القذرة” يقوده خصوم التقارب مع واشنطن، وعلى رأسهم محمد باقر خرازي، أمين عام “حزب الله” الإيراني، الذي وجه اتهاماً صاعقاً لعباس عراقجي، وزير الخارجية وكبير المفاوضين، بالمساعدة في كشف موقع المرشد الراحل علي خامنئي، مما مهد لاستهدافه في الغارات الأميركية الإسرائيلية يوم 28 فبراير.
وقال خرازي صراحة: “نحن نشك في عراقجي، خصوصا بعد قصف الموقع الذي اجتمع فيه مع القائد”.
ولم يقف التهديد عند حدود الاتهامات، بل تجاوزه إلى وعيد صريح بحرق المؤسسات. وتوعد خرازي قائلاً: “أقسم بالله، إذا تحولت المفاوضات الحالية إلى استسلام مثل الاتفاق النووي، فلن نتردد في تنظيم احتجاجات في الشوارع وتدمير وزارة الخارجية وحكومة مسعود بزشكيان”. مشهد من التمرد العلني يعكس عمق الانقسام داخل هرم الجمهورية الإسلامية.
261 نائباً يصطفون خلف عراقجي وسبعة فقط يعاندون
في المقابل، لا يبدو المتشددون أقوياء بما يكفي لنسف المسار. تكشف “التلغراف” عن بيان دعم وقعه 261 نائباً من أصل 290، أي أن تسعة أعشار البرلمان يقفون خلف عراقجي، بينما لم يرفض التوقيع سوى سبعة نواب فقط، جلهم من حلقة المفاوض النووي السابق سعيد جليلي وجبهة “ثبات الثورة الإسلامية”.
ويشرح المحلل الإيراني محمد مهاجري دوافع المعارضة بالقول إن “بعض هؤلاء يعارضون بنيوياً أي ظاهرة، لا يهم من يتحدث أو ما القرار، فهم دائماً في موقع المعارضة”، مشيراً إلى أن فئة أخرى “تتعامل مع القضايا من منظور أيديولوجي ضيق، بينما تعارض مجموعة ثالثة أي طرف تعتبره خصماً سياسياً”.
“مستفيدون من العقوبات” يخشون التطبيع
وتلتفت “التلغراف” إلى وجه آخر للمعركة: فئة أسمتهم “المستفيدين من العقوبات”، وهم نافذون ترتبط مكانتهم ومصالحهم الاقتصادية باستمرار الأزمات والعزلة.
وتقول الصحيفة إن هؤلاء “لا يملكون ما يقدمونه في الظروف الطبيعية”، ولذلك يقاومون بضراوة أي اتفاق يعيد إيران إلى النظام الدولي.
وفيما لم تقدم أي أدلة على اتهامات خرازي لعراقجي، أشارت إلى زعم الأخير بأن عراقجي “كان يصر بشدة” على لقاء المرشد الحالي مجتبى خامنئي الذي رفض، في إشارة قد تخفي توتراً بين الرجلين.
ماراثون دبلوماسي من إسلام آباد إلى بكين
وسط هذه العاصفة، واصل عراقجي سباقه الدبلوماسي المحموم، متنقلاً بين إسلام آباد ومسقط وسان بطرسبورغ وصولاً إلى بكين هذا الأسبوع، سعياً لصياغة اتفاق يقبل به مركز القوة في طهران ويصلح للتسويق في واشنطن.
وتعلق “التلغراف” بأن “المرحلة الحالية، حيث يبدو الاتفاق ممكناً لكنه لم ينجز بعد، تمثل اللحظة الحاسمة لمحاولات التخريب”، واصفة المعركة الدائرة بأنها ليست مجرد خلاف على بنود، بل صراع وجود سياسي واقتصادي.
فالاقتصاد الإيراني المثخن بالحرب والعقوبات دفع الملايين إلى الفقر، وأي تسوية تعيد تطبيع علاقات طهران الدولية “تمثل تهديداً مباشراً للمتشددين”، وهو ما يجعل الأيام المقبلة ساحة لاختبار حقيقي: هل تنتصر الدبلوماسية أم يبتلعها الميدان؟
