مراكز البيانات كانت على ورقة الاقتراع الأمريكية، ووول ستريت دفعت الثمن في يوم واحد… فماذا يعني ذلك للخليج؟
في ليلة واحدة، خسرت وول ستريت ما يكفي لشراء اقتصادات دول بأكملها. يوم الخميس الخامس من نوفمبر، هوى مؤشر ناسداك بنسبة 5.52% في أسوأ جلسة له منذ أبريل 2025، ودخل رسميًا منطقة “التصحيح” بعد أن ابتعد أكثر من 10% عن قمته القياسية في السادس من أكتوبر. وخسر مؤشر داو جونز أكثر من 1800 نقطة، وتراجع “ستاندرد آند بورز 500” بنحو 4.4%، بينما انهار مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات بأكثر من 12%. أما مؤشر الخوف “فيكس” فقفز بنحو 62% في يوم واحد.
لكن المفارقة الأعمق ليست في حجم الخسارة، بل في مصدرها. فلم تُسقط الأسواق هذه المرة نتائج أرباح مخيّبة، ولا قرار مفاجئ من الاحتياطي الفيدرالي، ولا حرب جديدة. ما أسقطها هو مزارع في تكساس، وناخبة في أوهايو، وفاتورة كهرباء ارتفعت أكثر مما ينبغي. لقد اكتشفت صناعة الذكاء الاصطناعي، متأخرة، أن الخوارزميات تُكتب في كاليفورنيا، لكن مراكز البيانات تُبنى على أرض لها أصحاب، وتشرب من ماء له حراس، وتستهلك كهرباء يدفع ثمنها أناس يصوّتون.
لم تكن الانتخابات النصفية الأمريكية في الثالث من نوفمبر مجرد استفتاء على أداء البيت الأبيض. كانت، في جانب منها لم ينتبه إليه كثيرون، استفتاءً على الطفرة التي بشّر بها وادي السيليكون. وفق بيانات شركة AdImpact التي نقلتها وكالة أسوشيتد برس، أنفقت الحملات أكثر من 380 مليون دولار على إعلانات تلفزيونية تذكر مراكز البيانات، وتفوّق الديمقراطيون على الجمهوريين في هذا الإنفاق بأكثر من ثلاثة أضعاف.
والنتيجة كانت كاسحة. ففي 45 اقتراعًا محليًا اكتمل فرزها بشأن مراكز البيانات، أُقرّت القيود في 44 منها. ووجد استطلاع للناخبين أجرته الوكالة نفسها أن نحو ثلاثة أرباع الأمريكيين يعارضون إقامة مركز بيانات جديد في مجتمعاتهم. أما على مستوى الولايات، فإن 32 من أصل 34 حاكمًا فائزًا حسمت الوكالة سباقاتهم يؤيدون تشديد التنظيم أو فرض القيود، و12 منهم يؤيدون الحظر أو التجميد الصريح.
الرمز الأوضح جاء من تكساس، الولاية التي قدّمها حاكمها الجمهوري غريغ أبوت عاصمةً صاعدة للذكاء الاصطناعي. خسر أبوت أمام الديمقراطية جينا هينوخوسا التي وعدت بمنع أي ترخيص لا يخدم السكان أو لا يمر عبر رأيهم. ووصف محللو مورغان ستانلي فوزها بأنه أهم نتيجة انتخابية لمستقبل تطوير مراكز البيانات. وحين يقول مؤسس حركة احتجاج جمهوري في لوبوك إن “مراكز البيانات كانت على ورقة الاقتراع”، فهذا يعني أن الغضب عابر للأحزاب.
لفهم هذا الانقلاب، يكفي النظر إلى فاتورة الكهرباء في بيت أمريكي متوسط. فبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية التي أوردتها مجلة فوربس، ارتفعت أسعار الكهرباء المنزلية بأكثر من 10% منذ 2024، وقفزت فواتير الأسر في أوهايو بأكثر من 20% خلال عامين. وتقدّر الجهة الرقابية المستقلة على شبكة PJM، أكبر شبكة كهرباء في الولايات المتحدة، أن المستهلكين سيدفعون هذا العام 7.3 مليار دولار إضافية من رسوم القدرة بسبب مراكز البيانات.
هنا تكمن العقدة التي تجاهلتها الصناعة طويلًا. فقد سوّقت شركات التقنية الكبرى طفرتها على أنها مكسب للجميع: وظائف واستثمارات ونفوذ تقني يتفوق على الصين. لكن المواطن العادي لم يرَ من هذا كله إلا محطة ضخمة تبتلع الطاقة على أطراف بلدته، وإعفاءات ضريبية بالمليارات، واتفاقات سرية وقّعها مسؤولون محليون، ثم فاتورة شهرية تكبر بلا تفسير. وحين تُوزَّع المكاسب على المساهمين وتُوزَّع التكاليف على المستهلكين، فإن السياسة لا تتأخر في تقديم الحساب.
لذلك لم يكن سقوط الأسهم ذعرًا أعمى بقدر ما كان إعادة تسعير عقلانية. فقد خسرت إنفيديا 9.26% في جلسة واحدة، وتراجعت AMD بأكثر من 17%، وبرودكوم بأكثر من 10%. ولم تسلم شركات الطاقة التي راهنت على تزويد الطفرة بالكهرباء، مثل جي إي فيرنوفا وكونستليشن إنرجي. وعبّر محلل في eToro عن جوهر المسألة حين قال إن المستثمرين باتوا يتوقعون بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بصورة “أبطأ وأكثر كلفة”.
وهذا هو بيت القصيد. فالقيمة السوقية الهائلة لشركات الذكاء الاصطناعي لم تكن ثمنًا لما تحققه اليوم، بل رهانًا على سرعة غير مقيدة في المستقبل: أن تُبنى المراكز بلا اعتراض، وأن تتدفق الكهرباء بلا سقف، وأن تبقى الحكومات شريكًا متحمسًا لا رقيبًا متشككًا. والانتخابات أثبتت أن هذه الفرضيات الثلاث لم تعد مضمونة. صحيح أن الرئيس ترامب يبقى أكبر حليف للصناعة، وقد يستخدم الفيتو ضد أي تجميد فيدرالي كالذي يقترحه بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، لكن المعركة الحقيقية لم تعد في واشنطن وحدها، بل في عواصم الولايات ومجالس المقاطعات، حيث تُمنح التراخيص وتُرسم خرائط الشبكات.
في هذا المشهد، تبدو المنطقة العربية، والخليج تحديدًا، أمام لحظة فرصة واختبار في آن. فالقيود التي تتصاعد في أمريكا تعني أن الشركات العالمية ستبحث عن أماكن تتوفر فيها الطاقة الوفيرة والأرض الواسعة والقرار السريع. وهذا ما يملكه الخليج. فمشروع “ستارغيت الإمارات” في أبوظبي، وهو عنقود حوسبة بقدرة غيغاواط واحد ضمن حرم ذكاء اصطناعي إماراتي أمريكي بقدرة خمسة غيغاواط، صُمّم أصلًا ليعتمد على مزيج من الطاقة النووية والشمسية والغاز، وكان مقررًا أن تعمل أولى مراحله بقدرة 200 ميغاواط خلال عام 2026.
لكن الدرس الأمريكي يصلح للجميع. فمن يريد أن يكون مركزًا عالميًا للبيانات عليه أن يحسم سؤالين مبكرًا: من يدفع ثمن الطاقة الإضافية؟ وكيف تُحمى الموارد الشحيحة، وفي مقدمتها المياه؟ إن ميزة الخليج الحقيقية ليست في وفرة الطاقة وحدها، بل في القدرة على التخطيط الطويل الذي يجعل البنية الرقمية جزءًا من رؤية وطنية، لا عبئًا يُفاجأ به المواطن في فاتورته.
ما جرى هذا الأسبوع ليس نهاية طفرة الذكاء الاصطناعي، فالطلب على الحوسبة ما زال هائلًا، وإنفيديا ما زالت تتوقع نمو مبيعاتها بنحو 70% في عامها المالي المقبل. لكنه نهاية براءتها السياسية. فقد ظنت الصناعة أن معركتها الكبرى هي مع الصين على الرقائق، فإذا بها تكتشف أن معركتها الأقرب مع جارٍ في أوهايو ينظر إلى فاتورته.
لقد تعلّمت الثورة الصناعية قبل قرنين أن المصانع تحتاج إلى رضا المدن التي تقوم فيها، وها هي الثورة الرقمية تتعلم الدرس ذاته بثمن باهظ. فالذكاء الاصطناعي قد يكون أذكى ما صنعه الإنسان، لكنه لن يكون أقوى من ناخب غاضب يحمل فاتورة كهرباء.
المصادر
- Fox Business – Nasdaq tumbles 5%, Dow plunges more than 1,800 points
- Anadolu Agency – Morning Briefing: Nov. 6, 2026
- AP (via KSAT) – Data centers took a beating in the midterm elections
- Forbes – Data Centers Are Key Issue In Midterm Battleground States
- TechCrunch – After the midterms, a bigger clash over data centers could be coming
- The Motley Fool – Stock Market Today, Nov. 5: Nvidia slides on AI chip selloff
- SoftBank Group – Global Tech Alliance Launches Stargate UAE (بيان رسمي)
