سجلت مؤسسة الضمان الاجتماعي في إسبانيا مع نهاية عام 2025 عجزاً محاسبياً قدره 0.4% من الناتج المحلي الإجمالي، في ظل تلقيها تحويلات مالية حكومية بلغت 47.815 مليون يورو.
وتأتي هذه المؤشرات لتضع ملف المعاشات التقاعدية في صدارة الاهتمام السياسي، تزامناً مع إعلان رئيس الوزراء بيدرو سانشيث عن إجراء انتخابات عامة في التاسع والعشرين من نوفمبر المقبل، مما يفتح باب النقاش مجدداً حول ما إذا كان النظام يعتمد بشكل متزايد على موازنة الدولة أو يواجه خطر الإفلاس الفعلي.
وأظهرت بيانات وزارة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة تراجعاً في العجز المحاسبي لعام 2025 إلى 7.387 مليون يورو، مقارنة بنحو 9.834 مليون يورو في 2024.
ويمثل هذا العجز أدنى مستوى مسجل منذ عام 2011، متجاوزاً بشكل كبير التحسن المسجل في 2016 والذي بلغ حينها 1.7% من الناتج المحلي.
وتعود هذه الأرقام إلى نمو الاشتراكات بنسبة 6.9% لتبلغ 176.918 مليون يورو في 2025، مع استمرار الزيادة حتى أغسطس 2026 لتصل إلى 126.032 مليون يورو بنمو قدره 7.5%.
وفي المقابل، تعتمد مؤسسة “فيديا” نطاقاً أوسع للتقييم، حيث تقدر العجز الأساسي -من دون التحويلات- بنحو 69.783 مليون يورو، أي ما يعادل 4.15% من الناتج المحلي، وهو رقم يمثل ثمانية أضعاف الرقم الرسمي.
ووفقاً لتحليل المؤسسة للفترة بين 2005 و2025، بلغت تحويلات الدولة للنظام الموسع 61.342 مليون يورو في 2025.
ومع إضافة هذه التحويلات، يصل الرصيد الإجمالي إلى عجز يقارب 8.400 مليون يورو، وهو مقارب للرقم الرسمي.
وتؤكد “فيديا” أن العجز الفعلي القائم على الاشتراكات يبلغ 63.700 مليون يورو، أي نحو 3.8% من الناتج. ويعلق الخبير الاقتصادي سانتياغو كالفو على هذا التباين -بين 7.000 و70.000 مليون- بأن كلا الرقمين صحيحان لكنهما يجيبان عن سؤالين مختلفين حول ما يجب أن تُموله الضرائب مقابل الاشتراكات، مشيراً إلى أن العجز تراجع محاسبياً بنحو 2.450 مليون يورو في 2025 بفضل ارتفاع التحويلات بواقع 4.860 مليون يورو.
الاعتماد المتزايد على موازنة الخزانة العامة
وتشير التفاصيل الدقيقة لميزانية الهيئة إلى أن أكثر من 20% من إيرادات الضمان الاجتماعي تأتي من الدولة. فمن أصل 232.782 مليون يورو جمعتها الهيئة في 2025، مثلت التحويلات زيادة بنسبة 11% على أساس سنوي لتصل إلى 20.5%.
وتُفسر الوزارة جزءاً كبيراً من هذه الزيادة باتفاق “باكتو دي توليدو” الذي يُلزم بتمويل نفقات معينة عبر الضرائب. ففي عام 2024، تم تخصيص 12.951 مليون يورو لمزايا غير مساهماتية و15.234 مليون يورو لمعاشات موظفي القطاع العام من أصل 58.301 مليون يورو من التحويلات، بينما ذهب الجزء الأكبر والبالغ 27.505 مليون يورو لتغطية مزايا قائمة على الاشتراكات.
وإلى جانب التحويلات التي بلغت نحو 53.000 مليون يورو لسد النقص، تمنح الدولة قروضاً للضمان الاجتماعي، حيث تجاوزت المديونية في نهاية 2024 نحو 135.253 مليون يورو، وبلغت القروض طويلة الأجل 7.9% من الناتج المحلي وفقاً لتقرير ديوان المحاسبة.
ورغم تحديد “باكتو دي توليدو” عام 2023 كموعد نهائي لاستخدام القروض، أقرت موازنة 2023 الممددة قرضين جديدين بقيمة 10.004 ملايين يورو لكل منهما، ليتم صرفهما تباعاً في 2024 و2025. وبذلك، ارتفع الدين بمقدار 30.001 مليون يورو بين ديسمبر 2022 وديسمبر 2025 ليتجاوز سقف 136.000 مليون يورو.
مخاطر النظام وآلية التوزيع التكافلي
ويقوم نظام المعاشات الإسباني على مبدأ التوزيع، حيث تُمول اشتراكات اليوم معاشات اليوم من دون حسابات فردية. وتُلزم المادة 50 من الدستور الدولة بضمان المعاشات وتحديثها، مما ينفي إمكانية إفلاس النظام كما تفلس الشركات.
ويتفق سانتياغو كالفو، أستاذ الاقتصاد الكمي والمالية العامة ونائب مدير مركز روث ريتشاردسون، مع هذا المبدأ، لكنه يحذر في كتابه “الفيل في الغرفة” -الذي شارك في تأليفه مع دانييل فرنانديث- من إفلاس “على الطريقة اليونانية”.
ويوضح أن الاعتماد المستمر على الدين قد يجعل إسبانيا عرضة لارتفاع علاوة المخاطر عند أي ركود اقتصادي، مما ينقل قرار التعديل البرلماني المتدرج إلى طاولة التفاوض مع الدائنين، مستذكراً كيف خُفض متوسط المعاش في اليونان من 1.350 يورو في 2009 إلى 833 يورو كشرط للإنقاذ.
ديناميكية سوق العمل وتأثير جيل بيبي بوم
وسجلت إسبانيا هذا العام أعلى فاتورة شهرية للمعاشات بقيمة تقارب 14.500 مليون يورو. وفي سبتمبر وحده، كلفت الدفعة العادية 14.498 مليون يورو لتغطية 10.547.417 معاشاً موزعة على 9.529.386 مستفيداً. وارتفعت الفاتورة بنسبة 6.3% على أساس سنوي، بينما لم يزد عدد المعاشات سوى 1.6%.
ويفسر تأثير الاستبدال هذا التباين، حيث يحصل المتقاعد الجديد على نحو 500 يورو شهرياً أكثر ممن توقف معاشه، ليرتفع متوسط معاش التقاعد بنسبة 4.5% ليصل إلى 1.576,1 يورو.
وتزامن ذلك مع زيادة المعاشات القائمة على الاشتراكات بنسبة 2.7% والمعاشات الدنيا بأكثر من 7%.
وشهد عام 2025 تسجيل 375.324 حالة تقاعد جديدة، في حين مثلت حالات التقاعد المبكر 31% من مجموع المعاشات في الأشهر الأربعة الأولى من 2026 مقارنة بـ 27.9% في 2025.
ويأتي ذلك وسط نمو قياسي لسوق العمل الذي أنهى يوليو 2026 بـ 22.509.200 عامل مسجل، يمثل الأجانب منهم 15.6%.
وحقق النظام في يونيو معدل 2.37 عامل لكل متقاعد، بتفاوت مناطقي امتد بين جزر البليار (3.48) وأورينسي (1.14).
وتتوقع بيانات المعهد الوطني للإحصاء قفزة في نسبة السكان فوق 65 عاماً من 21.1% حالياً إلى 30.9% في 2076، بافتراض هجرة صافية قدرها 6.3 ملايين شخص حتى 2040 لمواجهة تقاعد جيل “بيبي بوم” (مواليد أواخر الخمسينيات إلى منتصف السبعينيات).
الالتزامات المالية الأوروبية وآلية العدالة
وقيّمت الهيئة المستقلة للمسؤولية المالية (AIReF) في التاسع والعشرين من مايو مدى التزام الإنفاق بالقاعدة المتفق عليها مع بروكسل (متوسط 13.3% من الناتج بين 2022 و2050).
وخلصت إلى أن الإنفاق استقر عند 13.0% بفضل تدابير زيادة الإيرادات -وخاصة إصلاحات اشتراكات العاملين لحسابهم الخاص في 2021-2023- التي خفضت الإنفاق الإجمالي البالغ 14.6% بمقدار 1.6 نقطة.
وجنب هذا الالتزام البلاد تفعيل “الآلية القاطعة” ضمن آلية العدالة بين الأجيال (MEI). في المقابل، قدمت الوزارة في التاسع من أبريل نموذجها “INTegraSS” الذي يتوقع استقرار الإنفاق عند 14% حتى 2050، بينما ترجح (AIReF) بلوغه 16.4% في 2050، محذرة من عودة الدين العام للارتفاع من 2035 ليصل إلى 123% بحلول 2050، مع ضرورة زيادة تحويلات الدولة إلى 3% من الناتج في ذلك العام.
وتتجه آمال التمويل جزئياً نحو صندوق احتياطي المعاشات الذي سجل 15.267 مليون يورو في 31 مارس 2026، وهو أعلى مستوى في عقد.
ورغم جمع صندوق آلية (MEI) -التي سترتفع لتصل 1.2% في 2029- نحو 10.976 مليون يورو حتى الآن مع توقع 5.298 مليون إضافية في 2026، إلا أن رصيد الاحتياطي يكفي بالكاد لتغطية مدفوعات شهر واحد، وهو بعيد عن ذروته في 2011 البالغة 66.815 مليون يورو (6.22% من الناتج).
وقد زاد رصيده في 2025 بنحو 4.700 مليون يورو، ما يكفي لدفع المعاشات لعشرة أيام فقط.
الاستحقاقات السياسية ومقترحات الإصلاح الهيكلي
وتتجه الأنظار نحو مؤشر الأسعار الاستهلاكية لشهر نوفمبر الذي سينشر في السابع والعشرين منه لتحديد زيادة المعاشات لعام 2027 والمقدرة بنحو 3.5%، وذلك قبيل الانتخابات العامة.
وسيتعين إقرار الزيادة قبل الأول من يناير 2027، وسط ترتيبات لعقد الجلسة البرلمانية في الثالث والعشرين من ديسمبر بعد اضطرار الحكومة لإقرار مرسوم المعاشات الجديد في الثالث من فبراير الماضي ضمن موازنة 2023 الممددة.
وفي ظل تقلص الخيارات بين زيادة الضرائب أو خفض المعاشات، يدعو كالفو إلى تبني نموذج الحسابات الاسمية بحيث يرتبط المعاش بالاشتراكات والنمو الاقتصادي، مع تطبيق تدريجي يبدأ بمواليد 1970 بنسبة 5%، و1971 بنسبة 10%، وصولاً للتطبيق الشامل لجيل 1989، محذراً من تراجع معدل الاستبدال لجيل الشباب من 77% إلى 65% في 2050 لمن يبلغ 30 عاماً اليوم وسيتقاعد في 2063.
وتدعم دراسة أجراها ديفيسا ودومينيك ومينو لصالح “فيديا” هذا المقترح، مقدرة الفجوة بين الوعد الحالي والنظام المدعوم ذاتياً بين 12% و25%.
ويقترح كالفو تحويل أموال آلية (MEI)، التي جمعت ما يقارب 5.000 مليون يورو في 2025، إلى حسابات تراكمية تُستثمر في محافظ متنوعة، مع نقل 3 إلى 4 نقاط من الاشتراكات لاحقاً، لضمان قدرة النظام على الاستدامة بعيداً عن مفاجآت الديون المستقبلية والتخفيضات القسرية.
