دشن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مرحلة مفصلية في استراتيجية المملكة لتوطين الصناعات الثقيلة، بإطلاق سيارة “إكزوبوت”، التي تمثل أول إنتاج فعلي لشركة “سير” الوطنية للسيارات.
وتُعد هذه الخطوة نقلة نوعية من مرحلة التأسيس وبناء سلاسل الإمداد إلى طرح المنتجات الجاهزة، ضمن جهود حثيثة لتنويع مصادر الاقتصاد الوطني وتعزيز مساهمة الصناعات المتقدمة في الناتج المحلي الإجمالي.
وأكد الأمير محمد بن سلمان، بصفته رئيساً لمجلس الوزراء ورئيساً لمجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة، أن هذا الإطلاق يعكس مضي المملكة قُدماً في مسيرتها لبناء منظومة صناعية مستدامة.
وأشار إلى أهمية قطاع صناعة السيارات كرافد أساسي للنمو عبر استقطاب الاستثمارات، وتمكين الكفاءات الوطنية، وتفعيل دور القطاع الخاص، بهدف ترسيخ مكانة المملكة كمركز إقليمي وعالمي رائد في هذا المجال.
“إكزوبوت”: باكورة أسطول من سبعة إصدارات
تقدم شركة “سير” باكورة إنتاجها “إكزوبوت” الكهربائية بفئتين: السيدان والدفع الرباعي. وتندرج هذه الخطوة ضمن خطة استراتيجية طموحة لطرح سبعة إصدارات متنوعة تباعاً خلال السنوات الخمس القادمة، لتشمل مركبات بأحجام متوسطة وصغيرة، ومزودة بأنظمة دفع مختلفة، استناداً إلى ما نقلته وكالة الأنباء السعودية “واس”.
وقد صُممت وهُندست سيارات “إكزوبوت” محلياً لتتوافق مع أرقى المواصفات العالمية، مع استلهام خطوطها التصميمية من جماليات البيئة والثقافة السعودية.
إنتاج ضخم وتوطين للتكنولوجيا
ستُصنع كافة فئات سيارات “سير” في مجمع الشركة الصناعي الواقع ضمن مجمع الملك سلمان لصناعة السيارات بمدينة الملك عبدالله الاقتصادية.
وبحسب تصريحات سابقة لجيمس ديلوكا، الرئيس التنفيذي للشركة، في فبراير الماضي، يمتلك المصنع طاقة إنتاجية هائلة تصل إلى 240 ألف سيارة سنوياً عند بلوغه مرحلة التشغيل الكامل.
تأسست شركة “سير” في عام 2022 كثمرة شراكة استراتيجية بين صندوق الاستثمارات العامة وشركة “فوكسكون” العالمية. وتتولى الشركة إدارة دورة الإنتاج كاملة، بدءاً من التصميم والهندسة والاختبار، وصولاً إلى التصنيع والمبيعات وخدمات ما بعد البيع.
ويعتمد نموذجها التشغيلي على الحصول على تراخيص لتقنيات مكونات السيارات الكهربائية من العملاق الألماني “بي إم دبليو”، بينما تدير “فوكسكون” عملية تطوير الأنظمة الكهربائية المتطورة للمركبات.
وقد شهدت الشركة نمواً متسارعاً في كوادرها البشرية، حيث ارتفع عدد موظفيها من 20 شخصاً عند التأسيس إلى نحو 2300 موظف حالياً.
مستهدفات التوطين والشراكات العالمية
تضع “سير” نُصب عينيها هدفاً استراتيجياً يتمثل في رفع نسبة المحتوى المحلي في سياراتها إلى 45% بحلول عام 2034. ولتحقيق ذلك، عقدت شراكات نوعية مع موردين عالميين ومحليين بارزين، من بينهم “بي إم دبليو”، “هيونداي ترانسيس”، “ريماك”، و”سيمنز”، إلى جانب مجموعات سعودية رائدة مثل مجموعة الزامل ومجموعة عبداللطيف جميل.
وكشف ديلوكا في وقت سابق من هذا العام عن إبرام 16 اتفاقية مع موردين للمكونات بقيمة 3.7 مليار ريال، لتضاف إلى 11 شراكة سابقة بقيمة 5.5 مليار ريال. كما نجحت الشركة في استقطاب خمسة موردين عالميين من الصف الأول لتأسيس تواجد لهم في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، مما يعزز قرب المكونات من خطوط الإنتاج ويدعم استراتيجية التوطين.
عوائد اقتصادية ضخمة وبناء منظومة متكاملة
يُشكل إطلاق “إكزوبوت” تتويجاً لسنوات من الاستثمارات السعودية الموجهة لتأسيس سلسلة قيمة متكاملة لقطاع السيارات. ولا تقتصر هذه الرؤية على “سير” وحدها، إذ تحتضن مدينة الملك عبدالله الاقتصادية أيضاً مصنع “لوسيد” للسيارات الكهربائية، والذي اُفتتح عام 2023 كأول منشأة للشركة خارج الولايات المتحدة، بطاقة إنتاجية مستهدفة تبلغ 155 ألف سيارة سنوياً.
وتعول المملكة على العوائد الاقتصادية الضخمة لشركة “سير”، حيث تشير التوقعات إلى مساهمتها بأكثر من 30 مليار ريال (8 مليارات دولار) في الناتج المحلي الإجمالي، فضلاً عن تحسين الميزان التجاري بنحو 80 مليار ريال (21 مليار دولار).
وإلى جانب ذلك، ستوفر الشركة آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة بحلول عام 2034، مما يساهم بشكل فاعل في إحلال الإنتاج المحلي مكان جزء كبير من واردات المركبات، وتأسيس قاعدة تصنيع قوية قادرة على تلبية احتياجات أسواق المنطقة في المستقبل.
