كشفت وثيقة داخلية للجيش الأميركي عن استعدادات لنشر وحدات عسكرية وطبية ولوجستية تابعة للقيادة الجنوبية خلال الأشهر المقبلة، في خطوة يبدو أنها ترتبط بتخطيط عسكري متقدم تجاه كوبا، وذلك بالتزامن مع توعد الرئيس دونالد ترامب بإحداث “تغيير جذري” في هافانا.
وفقاً لتقرير خاص نشرته شبكة “سي بي إس نيوز”، طلب مقر احتياط الجيش الأميركي من قياداته التابعة تقييم مدى جاهزية ستة تشكيلات عسكرية قد توضع تحت إمرة القيادة الجنوبية، التي تشمل مسؤولياتها أميركا الوسطى والجنوبية والبحر الكاريبي.
الوثيقة، التي حددت موعداً نهائياً للردود بحلول 25 أيلول/سبتمبر، تشير إلى أن هذه الوحدات قد تكون “مطلوبة خلال 90 إلى 120 يوماً”. ورغم أن الرسالة لم تذكر كوبا صراحة، أكد مسؤولون أميركيون فضلوا عدم الكشف عن هوياتهم للشبكة، أن هذا الطلب يندرج ضمن التخطيط العسكري المستمر المتعلق بالجزيرة.
وشملت التشكيلات المطلوبة كتيبة دعم للإدامة القتالية (مسؤولة عن النقل والوقود)، كتيبة هندسية، ولواء شرطة عسكرية يتولى مهام الأمن والاحتجاز. كما طلبت الوثيقة لواءً طبياً ومفرزة جراحية متقدمة لتقديم الرعاية للمصابين قرب مسرح العمليات.
ورفض متحدث باسم القيادة الجنوبية كشف أي تفاصيل تتعلق بالتحركات أو الجداول الزمنية، مبرراً ذلك باعتبارات “أمن العمليات”، ومكتفياً بالإشارة إلى التنسيق المستمر لتقييم الاحتياجات المحتملة في المنطقة.
خيارات عسكرية واستطلاع بحري
تتزامن هذه الوثيقة مع الكشف عن عمليات استطلاع نفذتها القوات الأميركية في وقت سابق من هذا العام، شملت قاع البحر والممرات المائية المحيطة بكوبا. وبموازاة ذلك، وضعت قطاعات من القوة الجوية الأميركية في حالة تأهب أعلى استعداداً لانتشار لم يتم تنفيذه بعد.
وكانت “سي بي إس نيوز” قد كشفت في تموز/يوليو الماضي عن دراسة مخططين عسكريين لخيارات تكتيكية ضد هافانا، من بينها تنفيذ هجوم جوي واسع تشارك فيه “الفرقة 101 المحمولة جواً”، وهي الوحدة الوحيدة المدربة على مهام من هذا النوع. ورغم هذه التسريبات، شدد المسؤولون حينها على أن وضع الخطط لا يعني بالضرورة وجود قرار سياسي أو دفاعي لتنفيذها.
عقيدة “دونرو” وتصعيد العقوبات
تأتي هذه التحركات ضمن استراتيجية أميركية أوسع في نصف الكرة الغربي، أطلق عليها المسؤولون اسم “عقيدة دونرو” (مستوحاة من مبدأ مونرو ومدمجة باسم ترامب)، والتي تهدف إلى تقويض نفوذ الخصوم الأجانب في المنطقة.
واتهمت واشنطن هافانا مراراً بفتح أبوابها لتعزيز العلاقات مع روسيا، والصين، وإيران، رغم أن الاستخبارات الأميركية تصنف كوبا حالياً كبيئة مواتية للخصوم الجيوسياسيين أكثر من كونها تهديداً استراتيجياً بحد ذاتها.
وعلى الصعيد السياسي، فرضت إدارة ترامب هذا الأسبوع، قبيل الجمعية العامة للأمم المتحدة، حزمة عقوبات جديدة طالت كيانات ومسؤولين كوبيين، من بينها مؤسسات عسكرية مرتبطة بصناعة النيكل.
وفي كلمته أمام الأمم المتحدة، صعد ترامب من لهجته متوقعاً “سقوط” الحكومة الكوبية وقرب “مجيء الحرية” للجزيرة، متوعداً بعدم السماح للخصوم الأجانب بوضع موطئ قدم “على عتبة بابنا”. كما أشار إلى أن وزير خارجيته ماركو روبيو يقود مفاوضات عميقة مع هافانا. وانسحب الوفد الكوبي من القاعة احتجاجاً على الكلمة.
دور عسكري حازم في أميركا اللاتينية
بالتوازي مع الملف الكوبي، كثف الجيش الأميركي انخراطه الميداني في المنطقة. وشهد شهر نيسان/أبريل عملية مشتركة مع الإكوادور لتفكيك مركز تديره منظمة مرتبطة بالإرهاب والمخدرات. ومؤخراً، دعمت قوات أميركية السلطات الإكوادورية في اعتقال أكثر من 30 شخصاً مرتبطين بعصابات مكسيكية.
الأكثر إثارة للجدل، بحسب تقرير الشبكة، هو انتقال الجيش الأميركي من دوره التقليدي في اعتراض المخدرات إلى تنفيذ ضربات مباشرة في الكاريبي والمحيط الهادئ، أسفرت منذ أيلول/سبتمبر عن مقتل أكثر من 230 شخصاً في 70 ضربة. وهو ما أثار قلق خبراء قانونيين اعتبروا أن استهداف مدنيين أو مشتبه بهم خارج إطار المعايير القانونية الصارمة لاستخدام القوة العسكرية قد يرقى إلى عمليات قتل خارج نطاق القضاء.
من جهتها، ترفض كوبا هذه التحركات، حيث توعد الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل بالتصدي لأي هجوم، متهماً واشنطن بممارسة “حرب اقتصادية” تهدف لخنق الجزيرة ومنع وصول إمدادات النفط إليها.
