أشعلت تصريحات وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني حول تفضيله لـ”النساء الجادات اللواتي يرتدين تنانير طويلة” عاصفة سياسية اجتاحت روما، وتجاوزت حدودها لتتصدر شبكات التواصل ووسائل الإعلام العالمية.
ورغم محاولات الحكومة الإيطالية احتواء الموقف، تحولت النصيحة الأبوية للوزير إلى مادة دسمة للسخرية، ودفعت نائبات المعارضة لتوحيد صفوفهن في احتجاج رمزي لافت.
الأزمة بدأت الأسبوع الماضي خلال فعالية عامة، حين نصح تاجاني علناً بالزواج من نساء يرتدين “تنانير أطول”، مبرراً ذلك بأنهن “ربما أقل لفتاً للانتباه، لكنهن أكثر موثوقية وجدية”.
وذهب رئيس الدبلوماسية الإيطالية أبعد من ذلك، واصفاً هذا النمط من النساء بأنهن “أمهات صالحات، وفيات للحب الزوجي، ويرددن دائماً على الهاتف”.
أمام سيل الانتقادات، حاول تاجاني تدارك الموقف من نيويورك على هامش مشاركته في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقدم اعتذاراً علنياً، معتبراً أن كلماته “اقتُطعت من سياق معقد”، ومشدداً على أنه لم يقصد يوماً إهانة النساء، لا في حياته العامة ولا الخاصة.
غضب تحت قبة البرلمان
ولم يفلح الاعتذار في إخماد الغضب. في قصر “ماداما”، تكتلت سيناتورات المعارضة من أحزاب “الديمقراطي”، “إيطاليا فيفا”، “تحالف اليسار والخضر”، “حركة خمس نجوم”، والمستقلين، في وقفة احتجاجية ارتدين خلالها التنانير.
رئيسة كتلة “إيطاليا فيفا”، رافاييلا بايتا، وصفت الخطوة بأنها “رسالة حرية”، مؤكدة أن طول التنورة لا يمنح الرجال حق محاكمة النساء. فهل تُقاس استقلالية المرأة وقيمتها المجتمعية بأمتار القماش؟ هذا السؤال تصدر مشهد المعارضة، حيث اعتبرت سيمونا مالبِتسي من “الحزب الديمقراطي” أن تبرير الوزير كان أسوأ من زلته، كاشفاً عن “نظام أبوي متجذر وغير واعي” في عقلية السلطة.
الاحتجاج امتد للرجال أيضاً؛ إذ نشر عضو مجلس بلدية فلورنسا عن الحزب الديمقراطي، أندريا تشيولي، صورة معدلة بالذكاء الاصطناعي يظهر فيها مرتدياً تنورة، معلقاً: “طول التنورة لا يقيس قيمة المرأة بل حريتها”.
من الدبلوماسية إلى “الميمز”
وأخذت التداعيات منحى أكثر سخرية مع دخول زعيم حزب “إيطاليا فيفا” ورئيس الوزراء الأسبق ماتيو رينتسي على الخط، مصرحاً بأن تاجاني فقد هيبته الوزارية وتحول إلى مجرد “ميم” تتداوله شبكات كبرى مثل “سي إن إن” و”بي بي سي”.
في المقابل، زاد زعيم “فوتورو ناتسيونالي” والجنرال السابق روبرتو فانّاتشي الطين بلة، حين علّق بأنه يفضل المرأة “من دون تنورة دائماً”. ورداً على الانتقادات، نشر فانّاتشي صوراً لتمثالي “فينوس دي ميلو” و”فينوس دي كانديا” شبه العاريين، واصفاً النساء بأنهن “هدية الكون”، ومهمشاً حدة الهجوم الموجه إليه.
النقابات والكنيسة تندد
وعلى الصعيد المؤسساتي، شنت نقابة “تشي جي إل” هجوماً لاذعاً، معتبرة أن ربط “الجدية” والأمومة الصالحة بملابس المرأة يعيد إنتاج نماذج مجتمعية بالية تمنح الرجل سلطة التقييم. وطالبت النقابة بالتركيز على سد الفجوة في الأجور وضمان الحق الكامل في العمل بدلاً من تسطيح قضايا النساء.
الكنيسة بدورها لم تقف صامتة؛ إذ أكد المونسنيور جوزيبي باتور، أمين عام “مؤتمر الأساقفة الإيطالي”، أن النظرة للمرأة يجب أن تُبنى على الاحترام والإعجاب المطلقين، مذكراً بأن “الكلمة تجسدت في رحم امرأة” وفق الإيمان المسيحي، رافضاً أي تقييم مبني على مقاييس سطحية.
ميلوني تدافع وتهاجم
وأمام هذا الطوق، تدخلت رئيسة الوزراء جورجا ميلوني لتقليل حجم الأزمة، واصفة تصريح وزيرها بـ”الجملة التي خانها التعبير”، ومستنكرة تضخيم القضية وتحويلها إلى مادة للنقاش تزامناً مع “أسبوع الموضة” في ميلانو.
الدفاع الحكومي تجلى أيضاً في تصريح لوزير الدفاع غيدو كروسيطو، الذي اعتبر حديث تاجاني مجرد “نصيحة أب لابنه استناداً لقيمه الشخصية”، مشيراً إلى أن الشعور بالإساءة لا يعني تقييد حرية الآخرين في التعبير.
فيما اختارت ستيفانيا بوتشاريلي من “حزب الرابطة” الهجوم المضاد، متهمة المعارضة بازدواجية المعايير، وداعية إياهم لمحاربة “البرقع” وتعدد الزوجات وظاهرة احتجاز النساء في المنازل لأسباب دينية، بدلاً من افتعال معارك وهمية حول التنانير.
