شهدت العاصمة البلجيكية بروكسل، اليوم الجمعة، اندلاع مواجهات عنيفة بين قوات الشرطة ومجموعات من المحتجين، وذلك على هامش مظاهرات نقابية واسعة شارك فيها عشرات الآلاف.
وجاءت هذه التحركات الجماهيرية تنديداً بالارتفاع غير المسبوق في تكاليف المعيشة، ورفضاً لسياسات التقشف التي تعتزم الحكومة تطبيقها.
وتتزامن هذه التطورات الميدانية مع تصاعد المخاوف الشعبية والنقابية من تأثير تقليص الميزانيات على جودة الخدمات العامة الأساسية، وتحديداً في قطاعي الصحة والتعليم.
تصعيد ميداني وتدخل أمني للسيطرة على الشغب
تدخلت شرطة مكافحة الشغب للسيطرة على الموقف، حيث استخدمت خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق مجموعات شبابية أقدمت على رشق القوات الأمنية بالحجارة والمفرقعات بالقرب من محطة القطارات الرئيسية في العاصمة.
وتصاعدت حدة الأحداث حينما أشعل المحتجون النيران في مواقع متفرقة، مما أسفر عن إحراق دراجات هوائية وكهربائية تابعة لشبكة النقل العام. وأوضحت مصادر الشرطة أن الإضراب الوطني، الرافض للسياسات التقشفية، استقطب نحو 30 ألف مشارك.
وفي سياق متصل، شدد قادة النقابات العمالية على أن مثيري الشغب، الذين ارتدى غالبيتهم ملابس سوداء وأقنعة لإخفاء هوياتهم، لا يمثلون الحراك العمالي السلمي بأي شكل من الأشكال.
وأكدوا أن المسيرة النقابية الأساسية، التي تميزت بارتداء المشاركين اللونين الأحمر والأخضر، جابت شوارع وسط العاصمة بهدوء ودون تسجيل حوادث تُذكر.
وتأتي اشتباكات بروكسل بعد أسبوع واحد فقط من اضطرابات عنيفة مشابهة في مدينة لييج، حيث أدت صدامات بين الشرطة ومئات الطلاب إلى فرض حظر مؤقت على التجمعات العامة، وتوقيف أكثر من 200 شخص، وإصابة عشرات العناصر الأمنية إثر أعمال تخريب وسرقة طالت المحال التجارية في وسط المدينة.
مأزق الموازنة والضغوط الأوروبية تترافق هذه الموجة من الغضب في الشارع مع مسار معقد من المفاوضات الحكومية الرامية لإقرار موازنة العام المقبل.
ويسعى رئيس الوزراء المحافظ، بارت دي فيفر، إلى تحقيق وفورات مالية ضخمة تبلغ 10 مليارات يورو على مدى السنوات المقبلة، في خطوة إلزامية لخفض العجز المالي الكبير الذي تعانيه البلاد.
ويخوض دي فيفر، الممثل للتيار الفلمنكي، محادثات مكثفة ومتعثرة مع شركائه في الائتلاف الحاكم للوصول إلى صيغة توافقية حول خفض الإنفاق وزيادة الإيرادات، وذلك في سباق مع الزمن قبل الموعد النهائي الذي حدده الاتحاد الأوروبي في الثالث عشر من شهر أكتوبر الجاري.
وتواجه بلجيكا أزمة مستفحلة تتمثل في ارتفاع الدين العام، في وضع مالي مشابه لما تعانيه فرنسا وإيطاليا. وفي مقابل التوجهات الحكومية، تطالب النقابات بالبحث عن حلول بديلة لتعويض النقص المالي، مقترحة فرض ضرائب إضافية على أصحاب الثروات والدخول المرتفعة بدلاً من رفع ضريبة القيمة المضافة أو تقليص ميزانيات القطاعات الحيوية.
وتحذر النقابات من العواقب الوخيمة لهذه الإجراءات على الأسر والعمال، في وقت تتراجع فيه قدرة شريحة واسعة من السكان على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
أعباء معيشية وحراك طلابي موازٍ
عبر المشاركون في المسيرة الاحتجاجية عن استيائهم العميق من تدهور أوضاعهم الاقتصادية جراء الأزمات المتلاحقة. ووصفت ماري غوبير، وهي أم عازبة تعمل كأخصائية اجتماعية وجاءت من مدينة نامور برفقة ابنتها، معركتها اليومية لتغطية النفقات بأنها باتت شبه مستحيلة رغم امتلاكها وظيفة ثابتة.
وأشارت غوبير إلى أن القفزات المستمرة في أسعار النقل العام وتذاكر القطارات وتكاليف التعليم تولد ضغطاً نفسياً وقلقاً غير مسبوقين، محذرة من تفكيك نظام التعليم وتجاهل أصوات الشباب ومخاوفهم.
من جهة أخرى، أكد لوك توسن، ممثل إحدى النقابات العمالية، أن الظروف المعيشية تتراجع بوتيرة متسارعة، مما يولد حالة من الاستياء الواسع بين المواطنين، وخاصة في أوساط المعلمين والطلاب الذين يلمسون هذا التدهور بشكل يومي.
وعلى وقع هذه الأزمات، يستمر طلاب المدارس الثانوية في الإقليم الناطق بالفرنسية في تنظيم تحركاتهم الاحتجاجية رفضاً لتقليص الميزانية المخصصة لقطاع التعليم.
ويأتي هذا الحراك الطلابي، الذي استلهم بعض أساليبه من الاحتجاجات العمالية والطلابية في فرنسا المجاورة، كجزء من موجة إضرابات أوسع تبرز اتساع رقعة الرفض الشعبي لمساعي الحكومة لخفض الإنفاق العام.
