لم تعد حرب أسعار الذكاء الاصطناعي في الصين مجرد وسيلة لجذب المستخدمين، بل بدأت تتحول إلى تحدٍ يهدد الشركات نفسها، بعدما دفعت المنافسة الشرسة على تقديم نماذج متطورة بأقل تكلفة القطاع إلى البحث عن طرق جديدة لتحقيق الأرباح.
وفي أحدث مؤشر على ذلك، أعلنت ديب سيك (DeepSeek) أسعاراً جديدة لنموذجيها V4-Pro وV4-Flash، بعد تحذير العملاء من زيادات كبيرة في تكلفة خدماتها. ويعتمد التسعير الجديد على تقسيم الأسعار بين ساعات الذروة وخارجها، مع ارتفاع بعض الرسوم إلى عدة أضعاف مستوياتها السابقة.
لكن رفع الأسعار لا يعني بالضرورة أن حرب الخصومات انتهت.
فالصين تضم الآن نحو 1000 نموذج لغوي كبير، بحسب روبرت ليا من “بلومبرغ إنتليجنس”، فيما تتنافس شركات ومختبرات عديدة على تقديم قدرات متقدمة بأسعار منخفضة للغاية. ومع هذا العدد الهائل من البدائل، يصبح من الصعب على أي شركة بناء ميزة سعرية مستدامة أو رفع الأسعار من دون المخاطرة بخسارة العملاء.
ديب سيك ترفع الأسعار
رغم الزيادة، لا تزال أسعار ديب سيك منخفضة مقارنة بالمعايير العالمية. وخارج ساعات الذروة، يبلغ سعر نموذج V4 Flash نحو 0.22 دولار لكل مليون رمز إدخال و0.66 دولار لكل مليون رمز إخراج، فيما تتضاعف الأسعار خلال فترات الطلب المرتفع.
وكانت الشركة تتقاضى في السابق 0.14 دولار لكل مليون رمز إدخال و0.28 دولار لكل مليون رمز إخراج.
وبالمقارنة، يصل سعر النموذج الأعلى لدى Anthropic إلى 10 دولارات لكل مليون رمز إدخال و50 دولاراً لكل مليون رمز إخراج.
وتشير آلية التسعير الجديدة لدى ديب سيك أيضاً إلى احتمال سعي الشركة إلى إدارة الضغط على قدراتها الحاسوبية، خصوصاً في أوقات الذروة، بدلاً من الاعتماد فقط على رفع الأسعار كوسيلة لزيادة الإيرادات.
المشكلة أكبر من الأسعار
والمعضلة التي تواجه شركات الذكاء الاصطناعي الصينية لا تتعلق بالسعر وحده. فالنماذج مفتوحة المصدر تتيح للمطورين والشركات الوصول إلى التكنولوجيا الأساسية والبناء فوقها، في نهج يحظى أيضاً بدعم حكومي في الصين.
وهذا يجعل رفع الأسعار بشكل مباشر سلاحاً ذا حدين: قد يزيد الإيرادات من المستخدمين الحاليين، لكنه قد يدفع في المقابل العملاء والمطورين إلى نماذج منافسة أرخص.
لذلك بدأت الشركات الصينية البحث عن طرق أخرى للحصول على حصة من القيمة الاقتصادية التي تولدها نماذجها.
نموذج جديد: تقاسم الإيرادات
من أبرز هذه المحاولات شركة Moonshot الصينية، التي لفتت الأنظار بعد إطلاق نموذجها Kimi K3.
ورغم أن تكلفة استخدام النموذج عبر واجهة برمجة التطبيقات مرتفعة نسبياً مقارنة ببعض المنافسين الصينيين، فإن اللافت كان في شروط الترخيص.
فالشركات التي تستخدم Kimi K3 لتقديم خدمات تحقق أكثر من 20 مليون دولار من الإيرادات خلال 12 شهراً مطالبة بإبرام اتفاق تجاري مع Moonshot، في خطوة تفتح الباب أمام نموذج لتقاسم الإيرادات.
ولم تكشف الشركة تفاصيل هذه الاتفاقات، لكن تقارير أشارت إلى أن علي بابا تدرس ترتيباً مشابهاً لنموذجها Qwen 3.8 Max.
الفكرة هنا واضحة: بدلاً من بيع النموذج بسعر مرتفع، تتيح الشركة التكنولوجيا على نطاق واسع، ثم تحاول الحصول على جزء من الإيرادات التي تحققها الشركات التي تبني منتجاتها فوق هذا النموذج.
من يملك القيمة الحقيقية؟
هذا التحول يقود إلى سؤال أكبر يواجه صناعة الذكاء الاصطناعي بأكملها:
هل القيمة الحقيقية موجودة في النموذج نفسه، أم في المنتجات والخدمات التي تُبنى فوقه؟
مع انتشار النماذج القوية وانخفاض تكلفة استخدامها، قد تتحول قدرات الذكاء الاصطناعي تدريجياً إلى سلعة متاحة بكثرة، بحيث يصبح من الصعب على مطوري النماذج فرض أسعار مرتفعة لفترات طويلة.
وفي هذه الحالة، قد تنتقل القيمة الاقتصادية إلى قطاعات أخرى، مثل الرقائق، ومراكز البيانات، والخدمات السحابية، والتطبيقات، وعلاقات العملاء، بدلاً من أن تتركز لدى مطوري النماذج الأساسية.
حرب أسعار تتجاوز الصين
ولا تقتصر المنافسة السعرية على الشركات الصينية. فالسوق العالمية تشهد بدورها ضغوطاً متزايدة لخفض تكلفة استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي، مع طرح نماذج جديدة أكثر قوة وأقل كلفة.
وفي الوقت نفسه، يدفع صعود النماذج الصينية منخفضة التكلفة شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى إلى الاستثمار بقوة في نماذج مفتوحة وأرخص، ما يزيد الضغط على الشركات الصينية للحفاظ على قدرتها التنافسية.
وهكذا تتحول المنافسة إلى حلقة مفرغة: كل شركة تطور نموذجاً أقوى، ثم تخفض سعره، فيرد المنافس بنموذج أفضل وأرخص.
الذكاء الاصطناعي يصبح أرخص.. فمن يدفع الثمن؟
قد تراهن شركات الذكاء الاصطناعي على أن تطوير نماذج أكثر ذكاءً سيمنحها القدرة على فرض أسعار أعلى.
لكن سلوك العملاء قد يسير في الاتجاه المعاكس.
فمع كل جيل جديد، تتحسن النماذج المتقدمة، بينما تصبح النماذج السابقة أرخص. وفي كثير من الاستخدامات التجارية، لا يحتاج العميل بالضرورة إلى أقوى نموذج متاح لإنجاز المهام اليومية.
وتظهر البرمجة كأحد أبرز المجالات التي يستخدم فيها الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، إذ تشير تقديرات إلى أن نحو ثلث استخدام الرموز إلى نصفه يرتبط بتطوير البرمجيات.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى في سباق الذكاء الاصطناعي: التكنولوجيا التي تصبح أرخص وأكثر قدرة على خلق القيمة للشركات قد تدفع في الوقت نفسه إلى إعادة تشكيل سوق العمل، بما في ذلك استبدال بعض المهام والوظائف التي كان يؤديها المبرمجون.
وبذلك، قد لا تكون حرب الأسعار الصينية مجرد معركة بين ديب سيك ومنافسيها، بل جزءاً من تحول أكبر يعيد رسم السؤال الأساسي في صناعة الذكاء الاصطناعي: إذا أصبح الذكاء متاحاً ورخيصاً للجميع، فمن سيجني الأموال فعلياً من هذه الثورة؟
