تشهد الساحة اللبنانية حراكاً سياسياً ودبلوماسياً متزامناً يهدف إلى بسط سلطة الدولة، وإطلاق مسار التعافي وإعادة الإعمار، وحصر القرار الأمني والعسكري بالمؤسسات الشرعية.
ففي حين قاد رئيس مجلس الوزراء نواف سلام توجهاً حكومياً ميدانياً من مدينة النبطية جنوبي البلاد لتأكيد مرجعية الدولة وحصرية قرار السلم والحرب، كانت الدبلوماسية اللبنانية في واشنطن، ممثلة بوزير الخارجية يوسف رجي، تبحث مسارات إستراتيجية تتناغم تماماً مع هذا التوجه لتثبيت الاستقرار وتوحيد السلاح.
إطلاق مسار التعافي المؤسساتي من النبطية
في زيارته الثالثة إلى النبطية منذ تشكيل الحكومة، دشن رئيس مجلس الوزراء نواف سلام مرحلة الانتقال من تقييم الاحتياجات إلى التنفيذ الفعلي لورشة التعافي وإعادة الإعمار في الجنوب.
واستهلت الجولة من مجمع قوى الأمن الداخلي في كفرجوز، برفقة وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار والقادة الأمنيين، لتوجيه رسالة دعم للقوى الأمنية وتعزيز حضورها.
وشهدت الزيارة، التي شارك فيها الوزيران جابر وحيدر ورؤساء مجلس الإنماء والإعمار ومجلس الجنوب وغرفة العمليات المركزية، الإعلان عن إنجاز ترميم سراي النبطية الحكومي بمبادرة من النادي الحسيني، وإعادة افتتاح مراكز أمن الدولة، والأمن العام، ودائرة النفوس، مع التحضير لافتتاح قصر العدل قريباً.
عطاءات ومشاريع البنية التحتية
على الصعيد الخدماتي، أعلن رئيس الحكومة عن إطلاق مجلس الإنماء والإعمار لـ 23 مناقصة في قضاء النبطية ومناطق أخرى، خُصصت لإزالة العوائق، وترميم الطرقات، وتأهيل مراكز الإيواء، وتوفير سيارات إسعاف وأجهزة طبية ومعدات اتصالات عبر الأقمار الاصطناعية.
وإلى جانب ذلك، يجري التحضير لإطلاق 12 مناقصة إضافية خلال الشهر الجاري لتوريد آليات إنقاذ وإطفاء، وتأهيل محطات الكهرباء وشبكات المياه، وترميم خمسة مستشفيات من بينها مستشفى النبطية الحكومي.
بالتوازي، يتجه مجلس الجنوب لمباشرة بناء المقر الجديد للدفاع المدني بعد إتمام عمليات مسح الأضرار ورفع الأنقاض.
رؤية سيادية لإنهاء النزاع وحصرية القرار
وأمام حجم الأضرار الذي يفوق إمكانات الدولة اللبنانية بمفردها، أوضح سلام أنه أجرى سلسلة لقاءات في نيويورك وواشنطن مع الأمين العام للأمم المتحدة والمسؤولين الأميركيين ورئيس البنك الدولي لتأمين التمويل اللازم.
وحدد أولويات حكومته بوقف الاعتداءات، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، وتأمين العودة الآمنة للنازحين. ورفض سلام ربط مصير لبنان بانتظار تسويات إقليمية كبرى قد تتأخر أو تأتي على حساب اللبنانيين، مشدداً على ضرورة بناء دولة فاعلة بجيش واحد وقرار واحد، لا سيما قرار الحرب والسلم، لتجنب جرّ البلاد إلى حروب جديدة أو منح ذرائع لاستمرار الاعتداءات.
تناغم دبلوماسي موازٍ في واشنطن
يتلاقى هذا الطرح السيادي الداخلي بوضوح مع أجندة العمل الدبلوماسي في الخارج. ففي العاصمة الأميركية، التقى وزير الخارجية يوسف رجي بوفد من “لجنة التنسيق اللبنانية الأميركية”، وهي إطار جامع لمنظمات اغترابية تنسق مع الإدارة الأميركية والكونغرس لحماية مصالح لبنان.
تسلّم الوزير رجي خلال اللقاء مذكرة عمل ترسم خريطة طريق متكاملة لدعم قيام دولة تتمتع بسيادة حصرية في صنع القرار.
وحددت المذكرة المرفوعة لوزير الخارجية ثلاثة مسارات رئيسية تبدأ بدعم مفاوضات تقودها الدولة اللبنانية حصراً برعاية أميركية، لمعالجة الملفات الحدودية والأمنية ووقف الانتهاكات ضمن ترتيبات مستدامة.
وركز المسار الثاني على إنهاء وجود أي تشكيلات مسلحة خارج الشرعية، عبر استكمال تسليم “حزب الله” لسلاحه وتفكيك بنيته العسكرية، فضلاً عن جمع السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها.
أما المسار الثالث، فربط استعادة السيادة بتسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية والمالية والدستورية، وتعزيز استقلالية القضاء، مع التشديد على ضرورة إشراك الكفاءات والطاقات اللبنانية في الاغتراب في عملية النهوض بالبلاد.
