تدخل بعثة مينورسو، بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، يومها الأخير بتفويض ساري المفعول، بعدما فشل مجلس الأمن الدولي مساء الجمعة في تمديد ولايتها إثر تصويتين متقابلين: فيتو روسي أسقط مشروعًا أميركيًا، وتصويت أميركي سلبي ضد مشروع روسي مضاد لم يحصد أصلًا الأصوات التسعة اللازمة. وبحسب وكالة بلومبرغ، فهذه هي المرة الأولى منذ 35 عامًا التي يعجز فيها المجلس عن تجديد تفويض البعثة، ما يضع أحد أقدم الملفات العربية والأفريقية أمام فراغ مؤسسي غير مسبوق، في لحظة يتقاطع فيها النزاع الإقليمي مع تنافس القوى الكبرى داخل المجلس.
ماذا جرى في مجلس الأمن بشأن بعثة مينورسو؟
وفق البيان الصحفي الرسمي للأمم المتحدة، نال مشروع القرار الذي قدمته الولايات المتحدة (S/2026/868) تأييد 11 عضوًا، مقابل فيتو روسي وامتناع ثلاثة أعضاء بينهم الصين وباكستان. أما المشروع الروسي (S/2026/870) الذي كان سيمدد الولاية حتى 31 أكتوبر 2027 دون تعديل، فلم يؤيده سوى ثلاثة أعضاء هم روسيا والصين والصومال، مع تصويت الولايات المتحدة ضده وامتناع 11 عضوًا. وأوضحت وكالة أسوشيتد برس، في تقرير نشرته واشنطن بوست، أن المشروع الأميركي كان سيدعم مطلب المغرب بالسيادة على الإقليم وينهي مهمة البعثة التي أُنشئت لتهيئة استفتاء حول مستقبله، فيما لم تحتج واشنطن عمليًا إلى الفيتو لأن المشروع الروسي سقط لعدم بلوغه النصاب.
خلفية: من استفتاء معلّق إلى القرار 2797
أُنشئت البعثة بموجب القرار 690 لعام 1991، استنادًا إلى مقترحات تسوية قبلها المغرب وجبهة البوليساريو عام 1988، ونصّت على فترة انتقالية تمهد لاستفتاء يختار فيه سكان الإقليم بين الاستقلال والاندماج مع المغرب، وهو استفتاء لم يُنظَّم قط. وفي أكتوبر 2025 تبنى المجلس القرار 2797 الذي اعتبر، بحسب الجزيرة، أن حكمًا ذاتيًا حقيقيًا تحت السيادة المغربية قد يكون الحل الأكثر قابلية للتطبيق، وطلب من الأمين العام مراجعة استراتيجية لمستقبل ولاية البعثة. وقد امتنعت حينها روسيا والصين وباكستان، ولم تشارك الجزائر في التصويت، وقال مندوبها عمار بن جامع إن القرار النهائي بشأن المستقبل لا يمكن أن يعود إلا إلى الشعب المعني.
وخلال 2026 تسارعت الدبلوماسية: فبحسب مجموعة الأزمات الدولية، اجتمعت وفود وزارية من الجزائر وموريتانيا والمغرب والبوليساريو مرتين في واشنطن ومرة في مدريد بين يناير وفبراير، في أول لقاءات مباشرة بين أطراف النزاع منذ سبع سنوات. ثم صدر في 16 سبتمبر بيان ثلاثي أميركي إسرائيلي مغربي جدد الاعتراف بالسيادة المغربية ودعم خطة الحكم الذاتي بوصفها “الأساس الوحيد” للحل، وهو ما دانته البوليساريو في اليوم التالي.
ماذا قال المسؤولون وما بين السطور
قال السفير الأميركي مايك والتز، وفق الجزيرة، إن الاستفتاء متعثر منذ عقود، فيما أسف المندوب الأميركي، بحسب البيان الصحفي للأمم المتحدة، لاستخدام الفيتو عام 2026 من أجل “الإبقاء على حرف الراء” في اسم البعثة، في إشارة إلى كلمة الاستفتاء. في المقابل، قال المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا إن المشروع الأميركي ينحاز لطرف واحد، وإن فرض حلول أحادية دون نقاش مضنٍ مع الطرف الآخر يقود إلى طريق مسدود، ووصف الفيتو بأنه “منقذ للحياة” للبعثة.
وحذر المندوب الفرنسي من أن إغلاق البعثة بصورة مفاجئة سيكون مقلقًا للغاية في ظل عودة التوتر، فيما عبّر المندوب البريطاني عن “خيبة أمل هائلة” من القرار الروسي. أما الرباط فقد رحب الديوان الملكي المغربي بعدم التجديد، وقال إنه ينبغي سحب أفراد الأمم المتحدة ومعداتها من الإقليم، بحسب الجزيرة، في حين رحب ممثل البوليساريو لدى الأمم المتحدة سيدي عمر بالفيتو الروسي معتبرًا أن المقترح الأميركي يقوض حق تقرير المصير.
واللافت في هذه المواقف أن الطرفين المتنازعين رحبا كلٌّ لأسبابه بنتيجة الجلسة نفسها: الرباط ترى في سقوط التفويض نهاية لإطار الاستفتاء الذي تعتبره متجاوزًا، والبوليساريو ترى في الفيتو حماية لذلك الإطار من الإلغاء الرسمي. أي أن الجلسة لم تحسم المرجعية، بل جمّدتها.
قراءة تحليلية: المصالح وموازين القوى
تكشف الجلسة، في تقديرنا، أن ملف الصحراء انتقل من نزاع إقليمي تديره الأمم المتحدة بالتوافق إلى ساحة اختبار بين واشنطن وموسكو. فالولايات المتحدة تسعى إلى تحويل الزخم السياسي المتراكم منذ اعترافها بالسيادة المغربية عام 2020 إلى إطار أممي ملزم، بينما توظف روسيا الفيتو لتأكيد حضورها في شمال أفريقيا والحفاظ على علاقتها بالجزائر، ولإظهار أن تمرير التسويات في المجلس لا يتم دون موافقتها.
وتنقسم مراكز الأبحاث في تقييم البعثة. فقد رأى تحليل نشره المجلس الأطلسي أن البعثة فشلت منذ تأسيسها في إعداد قوائم ناخبين مقبولة من الجميع، ما أفقد مهمتها الأصلية معناها، مشيرًا إلى أن المغرب يدير فعليًا أكثر من 80 في المئة من الإقليم. في المقابل، نبهت مجموعة الأزمات الدولية في تعليق صدر في 9 أكتوبر إلى أن من حق واشنطن مراجعة تكاليف البعثة ووظائفها، لكن إصلاحات تُضعف دورها العسكري أو تلغيه قد تزيل إحدى آليات الاستقرار القليلة المتبقية في الإقليم.
الانعكاسات على المنطقة العربية
أول الانعكاسات يطال العلاقة المغربية الجزائرية، إذ يزيل غياب البعثة طرفًا ثالثًا كان يراقب خطوط التماس، وهو ما قد يرفع كلفة أي حادث ميداني. وثانيها يمس مسار التطبيع، بعدما ربط البيان الثلاثي في سبتمبر بين ملف الصحراء وترقية العلاقات المغربية الإسرائيلية، ما يجعل نتائج الانتخابات الإسرائيلية الجارية عاملًا غير مباشر في حسابات الرباط. وثالثها يتعلق بموريتانيا، الطرف المشارك في محادثات واشنطن ومدريد، والمعنية مباشرة باستقرار معبر الكركرات وطرق التجارة نحو غرب أفريقيا.
وعلى مستوى أوسع، يضيف الملف بؤرة توتر جديدة إلى خريطة عربية مثقلة أصلًا بتحديات أمن الممرات البحرية، وهي التحديات التي حذرت منها مصر من المنامة، كما يكشف أن قدرة مجلس الأمن على إدارة النزاعات العربية باتت رهينة الاستقطاب بين القوى الكبرى.
السيناريوهات المحتملة ومؤشرات الترجيح
السيناريو الأول: تسوية تقنية في اللحظة الأخيرة
أن يتوافق المجلس على تمديد قصير أو صيغة وسط تبني على القرار 2797 دون إلغاء صريح لمرجعية الاستفتاء، وهو ما دعت إليه بعض الوفود الممتنعة في الجلسة. مؤشره: دعوة سريعة إلى جلسة جديدة أو مشروع ثالث يقدمه أعضاء غير دائمين.
السيناريو الثاني: انسحاب تدريجي وفراغ ميداني
أن تبدأ الأمانة العامة تقليص البعثة مع انتهاء التفويض، تماشيًا مع المطلب المغربي، فيتحول الملف إلى المسار التفاوضي الذي ترعاه واشنطن خارج إطار الأمم المتحدة. مؤشراته: إعلان أممي عن ترتيبات تصفية، وتسارع الاتصالات الأميركية مع الأطراف.
السيناريو الثالث: تصعيد ميداني محدود
أن يؤدي غياب الرقابة الدولية إلى احتكاكات على طول الجدار الرملي، وهو ما حذرت منه فرنسا ومجموعة الأزمات. مؤشراته: بيانات عسكرية من البوليساريو، أو تحركات قرب الكركرات، أو تشدد في الخطاب الجزائري.
لم يكن سقوط تفويض بعثة مينورسو مجرد خلل إجرائي، بل تعبيرًا عن صدام بين رؤيتين: رؤية تعتبر الحكم الذاتي المغربي الأساس الواقعي للحل وتسعى لترجمته أمميًا، وأخرى تتمسك بمرجعية تقرير المصير وتستخدم الفيتو لحمايتها. وبين الرؤيتين يبقى الاختبار الحقيقي في الأيام المقبلة: هل تنجح الدبلوماسية التي انطلقت مطلع العام في ملء الفراغ، أم يملؤه الميدان؟
