خسرت باكستان في ديسمبر 1971 نحو سدس أراضيها ونصف سكانها بعد استسلام أكثر من 90 ألف جندي للقوات الهندية في دكا، مع ولادة دولة بنغلادش.
تحولت هذه الهزيمة إلى “صدمة تأسيسية” في التفكير الاستراتيجي الباكستاني، حيث ترسخت قناعة بأن ما حدث “لا يجب أن يتكرر”، وأن الاعتماد على الحلفاء لا يوفر ضمانات كافية، وأن الخلل البنيوي في ميزان القوى مع الهند يحتاج إلى معادل نووي لا يعتمد على الخارج.
وبدأت باكستان تسريع برنامجها النووي بعد 1971 مباشرة، وواجهت لعقود قيوداً غربية مشددة على نقل التكنولوجيا والمكونات الحساسة. فاضطرت إلى توسيع قاعدتها الصناعية المحلية وتطوير قدراتها الذاتية في الهندسة والتصنيع، معتمدة على ثقافة “جوكار”، وهي ثقافة ابتكار قائمة على الارتجال العملي وإيجاد حلول سريعة بموارد محدودة.
و لجأت إلى الهندسة العكسية مستفيدة من خبرات صينية تراكمت تحت عقوبات مماثلة، بحثاً عن الاستقلال الاستراتيجي الكامل.

الصواريخ الباليستية.. بديل أرخص وأسرع من الطائرات
ومع تصاعد القيود الغربية في التسعينيات ووقف تسليم مقاتلات إف-16 الأميركية، قدمت الصواريخ الباليستية حلاً عملياً لمعضلة الكلفة والفعالية. فالصاروخ لا يحتاج إلى طيارين مدربين لسنوات، ولا إلى قواعد جوية كبرى مكشوفة، ولا إلى أسطول ضخم يتآكل مع الزمن.
وتضم الترسانة الحالية ست منظومات باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية، من “عبدالي” و”غزنوي” و”شاهين-1″ قصيرة المدى، إلى “غوري” بمدى 1500 كيلومتر و”شاهين-2″ بمدى 2000 كيلومتر، وصولاً إلى “شاهين-3” الذي يقارب مداه 3000 كيلومتر.
كما طورت صاروخ “نصر” بمدى 60 كيلومتراً فقط لسد فجوة “البداية الباردة” الهندية، عبر مفهوم “الردع بالطيف الكامل” الذي ينقل الردع من مستوى استهداف المدن إلى مستوى ساحة المعركة.
سلاح جو محلي الصنع.. “جيه إف-17” منصة لا تخضع للحظر
لم تتخل باكستان عن سلاح الجو، بل تعاملت معه بمنطق ترتيب الأولويات. فبعد تحقيق حد كافٍ من الردع عبر الصواريخ، انتقلت إلى بناء قدرات جوية أعقد عبر المقاتلة “جيه إف-17 ثاندر”، ثمرة التعاون مع الصين.
وهي منصة منخفضة الكلفة نسبياً (25-50 مليون دولار) مقارنة بطائرات مثل الرافال (125 مليون دولار)، تُنتج محلياً بدرجة مرتفعة من التوطين، مما يمنح باكستان أسطولاً جوياً لا يعتمد تشغيله على إذن خارجي.
وأثبتت هذه المقاتلات فعاليتها في مواجهة مايو 2025، حين أسقطت 5 مقاتلات هندية بفضل “سلسلة قتل” متكاملة تربط الرادارات وطائرات الإنذار المبكر والمقاتلات والصواريخ في منظومة موحدة.

غواصات وميناء بديل.. خطة بحرية لتجنب حصار 1971
في البحر، تبلورت عقيدة تقوم على رفع كلفة أي محاولة لفرض حصار إلى مستوى يجعلها غير مجدية، دون السعي إلى سيادة بحرية كاملة.
واتبعت إسلام آباد ثلاثة مسارات: بناء أسطول سطحي متوسط ومتعدد المهام عبر فرقاطات بالتعاون مع الصين وتركيا، وتعزيز سلاح الغواصات عبر غواصات فرنسية وصينية مع تطوير نسخة بحرية من صاروخ كروز قابلة للإطلاق من الغواصات، إضافة إلى تطوير ميناء “غوادر” كبديل استراتيجي لكراتشي لتقليل قابلية الاختناق في أوقات الحرب.
“القوة الكافية” لا الهيمنة
وبفارق اقتصادي هائل مع الهند، تبلورت فرضية “القوة الكافية”. فباكستان لا تسعى إلى الهيمنة ولا إلى امتلاك قوة مطلقة، بل إلى بناء مزيج ردعي يجعل أي صراع واسع مكلفاً وغير مضمون النتائج، عبر أدوات انتقائية وغير متماثلة وقابلة للاستدامة محلياً.
والمفارقة أن هذه الدولة، التي خضعت يوماً لقيود صارمة على التسليح، أصبحت اليوم محلاً لاهتمام قوى كبرى تسعى إلى الشراكة مع صناعتها الدفاعية، بما في ذلك الولايات المتحدة، التي تنظر إليها كشريك صناعي محتمل لتقليل التكاليف وموازنة النفوذ الصيني.
