تتجه أنظار الأوساط الأمنية والعلمية بقلق بالغ نحو التداخل المتسارع بين نماذج الذكاء الاصطناعي وقطاع علوم الأحياء، وسط تحذيرات جدية من إمكانية استغلال هذه التقنيات المتقدمة في أبحاث قد تفضي إلى تطوير أسلحة بيولوجية شديدة الخطورة، في وقت تبدي فيه كبرى الشركات، مثل “أوبن إيه آي”، استعداداً لإبطاء وتيرة التطوير وسط تحذيرات مسؤولين من فقدان السيطرة على هذه التكنولوجيا.
في تطور يعكس حجم التهديد، كشفت شركة “أنثروبيك” يوم الخميس عن نجاحها في إحباط خمس محاولات محتملة لاستغلال نماذجها في أنشطة قد تدعم تطوير أسلحة بيولوجية.
واستندت الشركة في إعلانها إلى تقييم شامل للتهديدات رصدته بين شهري كانون الأول/ديسمبر وآب/أغسطس الماضيين، وفقاً لما نقله موقع “أكسيوس”.
وتضمنت حالتان من الحالات الخمس المرصودة محاولات من قبل باحثين لاستخدام نموذج الذكاء الاصطناعي “كلود” بهدف الحصول على مساعدة في تعديل خصائص فيروسات خطرة.
ورغم أن هذه الأبحاث قد تندرج تحت مساعٍ علمية مشروعة، إلا أنها تنطوي على مخاطر كارثية في حال إساءة استخدامها.
وأوضحت الشركة أن هذه الحوادث لا تشير إلى وجود تهديد بيولوجي وشيك يسببه “كلود”، لكنها تسلط الضوء على جهود بحثية متقدمة تقودها جهات تثير مخاوف أمنية وتمتلك القدرة على التحايل على ضوابط الوصول.
وللحد من هذه الظاهرة، دعت الشركة إلى تطوير آليات أكثر صرامة للتحقق من هويات المستخدمين وطبيعة مؤسساتهم، إلى جانب ابتكار أدوات فعالة لرصد أي استخدامات مشبوهة.
أوبئة محتملة وتجارب تثير الجدل
تتزامن هذه التطورات مع التغييرات الجذرية التي يحدثها الذكاء الاصطناعي في قطاع علوم الحياة، مما يضع القوانين والجهات الرقابية الحكومية أمام تحديات غير مسبوقة.
وقد برز هذا التحدي بوضوح في آب/أغسطس الماضي، عندما أعلن فريق بحثي من جامعة “ستانفورد” عن تمكنه من تصميم فيروس اصطناعي بالاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهي خطوة أشعلت جدلاً واسعاً حول الحدود الأخلاقية والأمنية لاستخدام التكنولوجيا في الأبحاث البيولوجية.
وتتركز المخاوف الرئيسية للخبراء في قدرة الذكاء الاصطناعي على تذليل العقبات أمام جهات أو أفراد يفتقرون إلى الخبرة العلمية الكافية، مما يمنحهم القدرة على تنفيذ عمليات بحثية معقدة قد تؤدي إلى تطوير قدرات بيولوجية قادرة على التسبب في أوبئة واسعة النطاق.
وقد أظهر استطلاع حديث أجراه “معهد الأمن والتكنولوجيا” هذا الشهر، وشمل أكثر من 100 خبير في الأمن القومي، أن 70% من المشاركين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي يزيد بشكل ملموس من مخاطر تطوير الأسلحة البيولوجية في الوقت الراهن، أو أنه سيفعل ذلك خلال العامين أو الأعوام الثلاثة المقبلة.
فجوة رقابية ودعوات لتدخل حكومي
في ضوء هذه التهديدات، أطلق باحثون من جامعات رائدة، شملت “فوردهم”، و”جونز هوبكنز”، و”أوكسفورد”، و”ستانفورد”، و”كولومبيا”، و”نيويورك”، تحذيراً صريحاً في دراسة نُشرت في وقت سابق من العام الجاري.
وأكدت الدراسة أن التطور السريع للذكاء الاصطناعي يتجاوز قدرة أنظمة السلامة البيولوجية القائمة على مواكبته، مشيرة إلى أن بعض النماذج الحالية باتت تمتلك قدرات حساسة دون أن تخضع لتقييمات كافية للمخاطر قبل طرحها للاستخدام.
ودفعت هذه الفجوة الخبراء للمطالبة بضرورة تعامل الحكومات مع نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة بوصفها “تقنيات حساسة”، ووضع معايير وطنية صارمة للسلامة، بدلاً من الركون إلى المشاورات الطوعية بين الشركات والمسؤولين.
وفي هذا السياق، يُعول على مؤسسات مثل “مركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي” التابع لوزارة التجارة الأميركية للعب دور محوري في صياغة هذه المعايير وضبط إيقاع التكنولوجيا.
مخاطر الاستقلالية التقنية
لا تقف حدود القلق عند القدرات الحالية فحسب، بل تتجاوزها نحو المستقبل القريب الذي قد يشهد ولادة أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على التخطيط وتنفيذ المهام باستقلالية تامة.
وفي هذا الصدد، يرجح بعض الخبراء أن حصر استخدام الذكاء الاصطناعي ضمن أنظمة ذات نطاق وظيفي محدد ومقيد سيكون خياراً أكثر أماناً مقارنة بتطوير “وكلاء” أذكياء يمتلكون القدرة على اتخاذ خطوات متتابعة وإنجاز مهام معقدة بمعزل عن أي رقابة أو توجيه بشري مستمر.
