أثار التوسع اللافت في الترويج لما يعرف بـ”الهوم سكولينغ” في مصر تحركا رسميا من وزارة التربية والتعليم، التي أكدت أن هذا النظام غير معتمد ومخالف للقانون، مشددة على أنها لم تمنح أي تراخيص لتطبيقه، مع التلويح باتخاذ إجراءات قانونية بحق المدارس أو الكيانات التي تروج له أو تتحايل على الضوابط المنظمة للعملية التعليمية.
وجاء الموقف الرسمي بعد انتشار إعلانات خلال الأشهر الماضية تقدم “الهوم سكولينغ” باعتباره بديلا يوفر بيئة تعليمية أكثر مرونة، بعيدا عن الالتزام بالحضور اليومي وضغوط اليوم الدراسي، وهو ما دفع عددا من الأسر إلى الإقبال على هذه الأنظمة، قبل أن يثير توسع كيانات وأكاديميات غير مرخصة في استغلال هذا المصطلح جدلا واسعا.
مفهوم مختلف
يعرف “الهوم سكولينغ” في العديد من دول العالم باعتباره نظاما للتعليم المنزلي، يتولى فيه الوالدان أو معلمون متخصصون تعليم الأطفال خارج المدرسة التقليدية، مع مراعاة احتياجات كل طفل وقدراته، ويطبق وفق أطر قانونية وتنظيمية تختلف من دولة إلى أخرى.
لكن خبراء في التعليم يؤكدون أن النموذج الذي يروج له داخل مصر يختلف في كثير من الحالات عن هذا المفهوم، إذ تقدم بعض الأكاديميات غير المرخصة نفسها كبديل للمدارس، مع توفير يوم دراسي كامل ومناهج متنوعة، تشمل أحيانا مناهج دولية أو برامج لغات، بعيدا عن رقابة وزارة التربية والتعليم.
ويشير متابعون إلى أن بعض هذه الكيانات تعتمد على أساليب تحايل، من خلال إيهام أولياء الأمور بأن أبناءهم مقيدون شكليا في مدارس خاصة، بينما يتلقون تعليمهم الفعلي داخل الأكاديمية دون انتظام في المدرسة، بما يخلق نظاما تعليميا موازيا خارج الإطار الرسمي.
موقف حاسم
وحسمت وزارة التربية والتعليم الجدل بإصدار بيان رسمي أكدت فيه أن نظام “الهوم سكولينغ” مخالف للقانون، وأنه لم يصدر أي ترخيص يسمح بتطبيقه في أي مدرسة دولية داخل جمهورية مصر العربية.
وأكدت الوزارة، في بيان حصل عليه موقع “سكاي نيوز عربية”، أن جميع المدارس المرخص لها في مصر ملتزمة بتطبيق المناهج والأنظمة التعليمية المعتمدة، ولا يحق لها مخالفة الضوابط المنظمة للعملية التعليمية تحت أي مسمى.
ودعت أولياء الأمور إلى التأكد من التزام المدارس بالأنظمة الرسمية، وعدم الانسياق وراء الكيانات الوهمية أو الممارسات المخالفة للقانون.
وشددت كذلك على أن أي مدرسة يثبت تورطها في تطبيق نظام “الهوم سكولينغ”، أو الترويج له، أو التحايل على اللوائح المنظمة للعملية التعليمية، ستخضع للمساءلة القانونية، مع اتخاذ الإجراءات المنصوص عليها في القانون، بما يحفظ حقوق الطلاب ويضمن انتظام العملية التعليمية.
شكاوى متكررة
وتزامن التحذير الرسمي مع تزايد شكاوى أولياء أمور أكدوا تعرضهم للتضليل من جانب أكاديميات وعدتهم بتقديم تعليم معتمد لأبنائهم.
وتقول سارة عماد، وهي والدة طفل يبلغ من العمر ثمانية أعوام، إنها التحقت بإحدى هذه الأكاديميات بعد تلقي وعود بقيد ابنها رسميا في مدرسة، مع حصوله على تعليم دولي بتكلفة أقل من المدارس الخاصة.
وأضافت، في حديثها لموقع “سكاي نيوز عربية”، أنها فوجئت بعد مرور ثمانية أشهر بأن نجلها غير مقيد في أي مدرسة، رغم استمرار الأكاديمية في تحصيل المصروفات، معتبرة أن ما حدث كان عملية نصب تسببت في ضياع عام دراسي كامل على طفلها.
وأوضحت أنها لم تكن الحالة الوحيدة، إذ اكتشف عدد من أولياء الأمور الذين سجلوا أبناءهم في الأكاديمية نفسها أنهم يواجهون المشكلة ذاتها، بعدما تبين عدم وجود قيد دراسي رسمي لأبنائهم رغم سداد المصروفات بانتظام.
ولفتت إلى أن بعض الأسر اضطرت إلى البحث بصورة عاجلة عن مدارس بديلة لإنقاذ العام الدراسي، بينما فقدت أسر أخرى عاما كاملا بسبب عدم قانونية الإجراءات التي اتبعتها الأكاديمية.
مخاطر متعددة
ويرى أستاذ التربية بجامعة عين شمس والخبير التربوي تامر شوقي، في حديث لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن ما يعرف بـ”الهوم سكولينغ” في مصر يتمثل في أكاديميات غير مرخصة من وزارة التربية والتعليم، تقدم تعليما موازيا أو بديلا للمدارس الدولية، مع قيد الطالب رسميا في المدرسة الدولية، دون التزامه بالحضور اليومي أو المشاركة في الأنشطة أو تنفيذ التكليفات أو الخضوع للتقييمات الدورية المطلوبة.
وأوضح أن هذه الأكاديميات تنتشر في مختلف محافظات الجمهورية، وتستقطب الطلاب وأولياء الأمور عبر إعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى مجموعات متخصصة، حيث تعرض مميزات “الهوم سكولينغ” ورسوم الدراسة وغيرها من التفاصيل، كما تستقبل طلاب جميع المراحل التعليمية، من الابتدائية وحتى الثانوية، مع اختلاف المصروفات بحسب كل مرحلة.
وأشار شوقي إلى أن هناك عدة عوامل تدفع بعض أولياء الأمور إلى اللجوء لهذه الأكاديميات، في مقدمتها انخفاض تكلفتها مقارنة بمصروفات المدارس الدولية الرسمية، وضمان حصول الطالب على درجات أعمال السنة في المدرسة الدولية بصورة تكاد تكون كاملة، والتي تمثل نحو 40 بالمئة من إجمالي الدرجات، رغم عدم انتظامه في الحضور، فضلا عن ضعف قدرات بعض الطلاب على الدراسة بالنظام التقليدي في المدارس الدولية، إلى جانب تعدد فرص أداء الامتحانات، بما يزيد احتمالات النجاح والحصول على درجات مرتفعة.
وفي المقابل، حذر الخبير التربوي من جملة مخاطر تترتب على الالتحاق بهذه الأكاديميات، أبرزها غياب رقابة وزارة التربية والتعليم على العملية التعليمية داخلها، والإضرار بسمعة التعليم الدولي في مصر، وفتح المجال أمام السماسرة والمتاجرين بمستقبل الطلاب، فضلا عن تقويض مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص، وإثارة الشكوك حول جدوى التعليم، إلى جانب إضعاف المستوى الأكاديمي للطالب وعدم اكتسابه المهارات اللازمة للالتحاق بالجامعات ومواصلة الدراسة فيها.
