حقق فيلم “مايكل”، الذي يجسد بطولته جعفر جاكسون ابن شقيق ملك البوب، افتتاحية تاريخية تجاوزت 217 مليون دولار عالمياً، قبل أن تقترب إيراداته الإجمالية من 500 مليون دولار خلال أسابيع قليلة من عرضه، ليتصدر شباك التذاكر العالمي ويصبح من أنجح الأفلام الموسيقية والسير الذاتية في تاريخ هوليوود.
لكن خلف الأضواء والاستعراضات، تختبئ واحدة من أكثر القصص المالية إثارة في عالم الفن: كيف تحول طفل فقير من أسرة متواضعة في مدينة جاري بولاية إنديانا إلى إمبراطورية بمليارات الدولارات؟ وكيف جمع مايكل جاكسون ثروة هائلة من الموسيقى وحقوق النشر والاستثمارات، ثم وقع في أزمة ديون كادت تدمره، قبل أن يتحول بعد وفاته إلى الفنان الأعلى تحقيقاً للأرباح في العالم؟
طفل في فرقة عائلية يتحول إلى ماكينة أموال عالمية
انطلقت رحلة مايكل مع فرقة “The Jackson 5” في أواخر الستينيات، قبل أن ينفجر منفرداً مع ألبوم “Thriller” عام 1982، الذي أصبح الألبوم الأكثر مبيعاً في التاريخ.
وبحسب تقديرات “فوربس”، حقق “Thriller” وحده نحو 115 مليون دولار من الإيرادات المباشرة في سنواته الأولى. وفي أواخر الثمانينيات، كان مايكل يجني ما بين 50 و100 مليون دولار سنوياً من الجولات العالمية وحقوق البث والإعلانات والمنتجات التجارية والفيديو كليبات وعقود الرعاية.
47.5 مليون دولار تشتري “أذكى استثمار في تاريخ الموسيقى“
أكبر قرار مالي في حياة مايكل جاكسون لم يكن ألبوماً، بل شراء شركة “ATV Music Publishing” عام 1985 مقابل 47.5 مليون دولار، في صفقة منحته حقوق نشر مئات الأغاني الشهيرة، بما فيها أغنيات فرقة “The Beatles”.
واعتبرها خبراء الصناعة “أذكى استثمار في تاريخ الموسيقى”، فامتلاك حقوق النشر يعني الحصول على أموال كل مرة تشغل فيها الأغاني في الإذاعة والتلفزيون والأفلام والإعلانات والحفلات والمنصات الرقمية.
لاحقاً، دخل مايكل في شراكة مع “Sony” لتأسيس “Sony/ATV”، ليصبح الكتالوج يضم أعمال Bob Dylan وEminem وLady Gaga وBeyoncé، وقدرت قيمته لاحقاً بما بين 1.5 و2 مليار دولار.
قصور وطائرات وديون
هنا تبدأ المفارقة: فرغم دخله الهائل، كان مايكل من أكثر النجوم إنفاقاً في تاريخ الفن. اشترى مزرعة “Neverland Ranch” عام 1988 مقابل 17 مليون دولار، ثم أنفق ملايين الدولارات سنوياً على صيانتها وتحويلها إلى مدينة ترفيهية خاصة. ووفق “فوربس”، تراكمت عليه ديون ضخمة بسبب القصور الفارهة والفنادق الفاخرة وشراء الهدايا بملايين الدولارات والطائرات الخاصة والموظفين والحراس، مع إنفاق باهظ على الإنتاج الفني.
بحلول أوائل الألفية، قدرت ديونه بنحو 200 مليون دولار، بينما قدرت ثروته الصافية بنحو 350 مليون دولار، لكن معظمها كان على الورق داخل الأصول وحقوق الموسيقى. وكانت جولة “This Is It” في لندن تهدف لإعادة ترتيب وضعه المالي قبل أن تقلب وفاته المفاجئة في يونيو 2009 كل الموازين.
الموت يولد أغنى فنان راحل في التاريخ
ما حدث بعد الوفاة كان صادماً لعالم الأعمال، فبدلاً من انهيار الإمبراطورية، تحولت إلى أنجح علامة تجارية فنية في التاريخ. حققت التركة 90 مليون دولار خلال أشهر من الوفاة، وسجلت 825 مليون دولار في عام 2016 وحده، وهو أعلى دخل سنوي لمشاهير راحلين على الإطلاق.
وجاءت الأموال من الموسيقى والبث الرقمي والأفلام الوثائقية والعروض المسرحية وألعاب الفيديو والمنتجات التجارية وصفقات حقوق النشر.
وفي 2016، باعت التركة حصة ضخمة من “Sony/ATV” إلى “سوني” مقابل 750 مليون دولار، ثم في 2024 جرى اتفاق جديد لبيع نصف حصة من كتالوج “Mijac Music” مقابل 600 مليون دولار، في صفقة قدرت الكتالوج بنحو 1.2 مليار دولار.
عبقرية الاستثمار وخطورة سوء إدارة السيولة
تدرس قصة مايكل جاكسون عملياً في عالم الأعمال لسببين متناقضين: أولهما عبقرية الاستثمار، فقد أدرك مبكراً أن حقوق الملكية الفكرية أهم من مبيعات الألبومات نفسها، فشراء كتالوج الأغاني جعله يربح من موسيقى الآخرين لعقود.
والسبب الثاني خطورة سوء إدارة السيولة، فرغم مئات الملايين التي دخلت حساباته، كاد ينهار مالياً بسبب القروض والإنفاق المفرط والرهن المستمر للأصول ونمط الحياة الباذخ.
وبعض التقارير قدرت صافي ثروته وقت الوفاة بسالب 500 مليون دولار. أما اليوم، وبعد أكثر من 15 عاماً على رحيله، تقدر قيمة علامته التجارية بمليارات الدولارات، في استثناء غريب جعل “ملك البوب” لا يزال أحد أكثر الفنانين تحقيقاً للأرباح في العالم.