لم تعد صناعة الحفلات الموسيقية العالمية تقيس نجاحها بعدد التذاكر المباعة فقط. فبعد سنوات التعافي التي أعقبت جائحة كورونا، يتجه القطاع نحو نموذج جديد يركز على رفع العائد من كل فعالية، والاستفادة من إنفاق الجمهور في مجالات تتجاوز تذكرة الحفل إلى السياحة والطيران والضيافة والتجزئة والترفيه.
وتتزامن هذه التحولات مع نمو متواصل في سوق الموسيقى الحية، الذي يُتوقع أن يرتفع حجمه عالمياً من 40.5 مليار دولار في 2026 إلى 52.6 مليار دولار في 2030، ثم إلى 67.1 مليار دولار بحلول 2035، وفق تقرير “Live Music 2026” الصادر عن “Luminate Intelligence”.
وفي الولايات المتحدة، أكبر أسواق الموسيقى الحية عالمياً، يُتوقع أن تصعد إيرادات القطاع من 10.19 مليار دولار في 2022 إلى 12.49 مليار دولار في 2026، ثم إلى 14.54 مليار دولار في 2028.
مرحلة جديدة للسوق
ورغم استمرار نمو الإيرادات، فإن السوق يشهد تغيراً في سلوك الجمهور. فبعد الطفرة الكبيرة التي شهدها الطلب على الحفلات عقب الجائحة، أصبح الجمهور أكثر انتقائية في تحديد الفعاليات التي تستحق الإنفاق.
وتظهر بيانات أكبر 100 جولة موسيقية في العالم هذا التحول بوضوح. فقد بلغت الإيرادات الإجمالية للجولات في 2025 نحو 9.1 مليار دولار، وهي تقريباً عند المستوى المسجل في 2024، فيما استقر عدد الحضور عند 69.5 مليون متفرج، مقابل 69.7 مليوناً في العام السابق.
وفي الوقت نفسه، تراجع متوسط سعر التذكرة من 130.36 دولاراً في 2024 إلى 127.17 دولاراً في 2025، في أول انخفاض يسجل بعد سنوات من الارتفاع المتواصل.
ومع محدودية هامش رفع الأسعار، اتجه منظمو الحفلات إلى التركيز على التجارب الأعلى قيمة، بما يشمل المقاعد الفاخرة وباقات الضيافة والخدمات المصاحبة، إلى جانب استهداف شريحة الـ”Superfans”، وهم الجمهور الأكثر ارتباطاً بالفنانين والأكثر استعداداً للسفر ودفع مبالغ أعلى مقابل تجارب مميزة.
وتشمل هذه التجارب اللقاءات الخاصة، والمقاعد المميزة، والباقات التي تجمع حضور الحفل بالإقامة والتنقل.
من الحفل إلى الرحلة
لم يعد حضور الحفل بالنسبة إلى شريحة من الجمهور مرتبطاً بالمدينة التي يقيم فيها، إذ بات السفر إلى مدينة أو دولة أخرى لحضور فعالية موسيقية جزءاً من التجربة.
وتشير بيانات “Live Music 2026” إلى تراجع نسبة الأميركيين الذين يعتبرون سعر التذكرة عائقاً أمام حضور الحفلات من 59% في الربع الأول من 2024 إلى 53% في الربع الأول من 2026.
وكان التراجع أكثر وضوحاً بين أفراد جيل “Gen Z”، إذ انخفضت النسبة من 75% إلى 57%.
وفي المقابل، ارتفعت نسبة الجمهور الذي يرى أن الحفلات تقدم قيمة جيدة أو ممتازة من 73% إلى 78% خلال الفترة نفسها.
وتشير بيانات الربع الأول من 2026 أيضاً إلى عودة الحساسية تجاه الأسعار لدى الفئات العمرية الأكبر، في وقت تتزايد فيه أهمية السفر المرتبط بالحفلات، مع انخفاض نسبة الشباب الذين يعتبرون تكاليف السفر عائقاً أمام حضور الفعاليات منذ 2024.
السعودية تدخل على الخط
هذا النموذج لم يعد محصوراً في الأسواق الغربية، إذ تتوسع صناعة الحفلات والمهرجانات الموسيقية في الشرق الأوسط، مع ارتباط متزايد بين الفعاليات وحركة السياحة والإنفاق.
وتبرز السعودية في هذا السياق من خلال نموذج يضع الحفلات الموسيقية ضمن منظومة ترفيهية وسياحية أوسع، بدلاً من التعامل معها كفعاليات منفصلة.
ويظهر ذلك بصورة واضحة في “موسم الرياض”، الذي تحول خلال سنوات قليلة إلى واحد من أكبر الأحداث الترفيهية في الشرق الأوسط، مع ربط الفعاليات بحركة الزوار والضيافة والمطاعم والتجزئة والخدمات.
وفي نسخته الأخيرة، استقطب موسم الرياض أكثر من 19 مليون زائر، بالتزامن مع إبرام أكثر من 4200 عقد مع 2100 شركة، شكلت الشركات السعودية 95% منها.
كما أظهرت بيانات “فيزا” أن الرياض سجلت خلال موسم 2024 زيادة في أعداد الزوار الدوليين بنسبة 47.6% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، إلى جانب ارتفاع الإنفاق على المطاعم بنسبة 25% وعلى قطاع التجزئة بنسبة 23%.
واستقبلت الرياض خلال الفترة نفسها أكثر من 500 ألف زائر دولي يستخدمون بطاقات “فيزا”، قدموا من 195 دولة.
اقتصاد يتجاوز التذكرة
توسع تأثير الحفلات الموسيقية لتصبح الفعالية جزءاً من حركة إنفاق أوسع. فالزائر القادم لحضور حفل لا يقتصر إنفاقه على التذكرة، بل يمتد إلى الفندق ووسائل النقل والمطاعم والتسوق وغيرها من الخدمات.
وهنا تتقاطع التحولات التي تشهدها صناعة الموسيقى الحية عالمياً مع النموذج الذي تتبناه السعودية في تنظيم الفعاليات، حيث ترتبط الحفلات بالمواسم السياحية والبنية التحتية الترفيهية والخدمات المرتبطة بالزوار.
ومع استمرار توقعات نمو سوق الموسيقى الحية خلال السنوات المقبلة، تتجه صناعة الحفلات إلى نموذج تصبح فيه قيمة التجربة ومجمل الإنفاق المرتبط بها جزءاً أساسياً من اقتصاد الفعالية، من نيويورك إلى الرياض.
