قالت صحيفة “جيروزاليم بوست” في تحليل موسع نشرته، الاثنين، أن مسيّرات حزب الله الانتحارية المزودة بكابلات الألياف الضوئية قلبت معادلة الاشتباك على الجبهة الشمالية لإسرائيل رأساً على عقب.
وتكشف الصحيفة عن أن هذه المسيّرات الصغيرة من فئة “منظور الشخص الأول” (FPV)، الموصولة بمحطة التحكم الأرضي عبر كابل ألياف ضوئية بدلاً من الترددات اللاسلكية، تنسف بالكامل ميزة أنظمة الحرب الإلكترونية الإسرائيلية المصممة لتعطيل المسيّرات المعادية وإسقاطها قبل بلوغ أهدافها.
وتصف “جيروزاليم بوست” الطائرة بأنها “تحلق على ارتفاع شديد الانخفاض، ملتصقة بالتضاريس، بحجم لا ترصده الرادارات التقليدية، وبوصلة كابل غير قابلة للقطع الإلكتروني”، محذرة من أن ذخيرتها تضاهي قذيفة “آر بي جي” في القوة التدميرية.
من أوكرانيا إلى لبنان
وتؤكد الصحيفة العبرية في تحليلها أن ما يراه المخططون العسكريون الإسرائيليون على حدودهم الشمالية “ليس سوى فصل منقح من كتاب الحرب الأوكرانية”.
وتوضح الصحيفة أن الطرفين المتحاربين في أوكرانيا استخدما عشرات الآلاف من هذه المسيّرات شهرياً ضمن عقيدة عسكرية تقوم على مبدأ “القابلية للاستنزاف”، حيث صُمم السلاح ليُفقد بأعداد هائلة دون أن ينهار مخزون القوة الهجومية.
وتقول إن “هيكلاً خفيفاً وأربع مراوح وبكرة ألياف ضوئية وذخيرة تثبت في الأسفل” أصبحت الوصفة القتالية التي أربكت الدفاعات في أوروبا الشرقية وتنتقل الآن إلى الشرق الأوسط.
وتضيف الصحيفة أن حزب الله تخلى نسبياً عن وسائطه النارية الثقيلة والصواريخ الموجهة التي يسهل اعتراضها، وراهن على أسراب المسيّرات الانتحارية الصغيرة القادرة على اختراق الدفاعات والتسلل خلسة.
أوكرانيا تملك “كنزاً من البيانات” عن نقاط ضعف المسيّرات
ترى “جيروزاليم بوست” أن القوات الأوكرانية تمتلك ما يمثل “مرجعية قتالية فريدة” في مواجهة هذه المسيّرات، إذ لم تكتفِ بإنتاجها واستخدامها بل طورت بالتوازي خبرة عملياتية في رصدها وتحييدها.
وتقول الصحيفة إن كييف تملك “كنزاً من البيانات حول أنماط طيرانها، ونقاط ضعف تقنيتها، وأساليب التشويش البديلة، وطرق الإسقاط الفيزيائي، وتكتيكات الحماية السلبية للقوات والمدرعات”.
وتخلص إلى أن هذا “يجعل من الجيش الأوكراني شريكاً محتملاً لا يمكن للعقلية الدفاعية الإسرائيلية تجاهله”.
سقوط الأسد يحرر إسرائيل من “قيود الضرورة” مع موسكو
تذكّر “جيروزاليم بوست” بأن إسرائيل احتفظت لسنوات بمسافة محسوبة تجاه أوكرانيا، انطلاقاً من حسابات فرضها الوجود العسكري الروسي في سوريا وحاجة القدس إلى قناة تنسيق مع الكرملين لتأمين عملياتها الجوية ضد الأهداف الإيرانية. لكن الصحيفة تؤكد أن سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 “أسقط معه المبرر الاستراتيجي لهذه السياسة”، مع تقلص الثقل العسكري الروسي في الشرق الأوسط بصورة حادة. وتشير إلى أن استضافة موسكو لقادة حماس عقب هجوم 7 أكتوبر 2023 كشفت “تناقضاً صارخاً في الرهان الإسرائيلي على الحياد الروسي”.
نسيج بشري وجذور ثقافية تمهد لتحالف الضرورة
لا تقصر “جيروزاليم بوست” فرضية التعاون على المصالح الأمنية الآنية. وتشير إلى “أواصر تاريخية وثقافية راسخة” تمتد إلى جذور الحركة الصهيونية التي خرج قادتها الأوائل من مدن أوكرانية مثل أوديسا، وإلى آلاف المهاجرين الأوكرانيين الذين قدموا في موجات هجرة متعاقبة.
وتضيف أن الدولتين “تلتقيان عند تقاطع عضوي: كلتاهما ديمقراطيتان تصطفان في معسكر الغرب بقيادة واشنطن، وتواجهان خصوماً يتشاركون التكتيكات والتقنيات ومصادر الدعم الإقليمي”.
وتكشف “جيروزاليم بوست” أن عواصم خليجية عدة “قطعت شوطاً عملياً في بناء جسور تعاون عسكري وتقني مع كييف”، مستفيدة من الدروس الأوكرانية في مواجهة المسيّرات.
وترى الصحيفة أن انخراط إسرائيل في هذا المسار “يفتح الباب أمام تعاون ثلاثي الأبعاد يشمل الولايات المتحدة كشريك استراتيجي”.
وفي كواليس التخطيط العسكري الإسرائيلي، تؤكد الصحيفة أن المخططين “يدمجون خلاصات الجبهة الأوكرانية مع تجارب الجيش الإسرائيلي الميدانية في غزة وجنوب لبنان”، حيث باتت المسيّرات الانتحارية وحلول الخداع الإلكتروني “بنوداً ثابتة على طاولة البحث والتطوير”.
خصوم إسرائيل يتعلمون أسرع من خيال المخططين
تختتم “جيروزاليم بوست” تحليلها بالتحذير من أن “خصوم إسرائيل يتعلمون من بعضهم بعضاً بسرعة تفوق خيال المخططين”، مشيرة إلى أن نقل التكتيكات من أوكرانيا إلى لبنان “لم يستغرق سوى أشهر”.
وتخلص الصحيفة إلى أن التهديد المشترك من طائرات صغيرة لا يتجاوز سعرها بضع مئات من الدولارات “هو تحديداً ما قد يدفع إسرائيل وأوكرانيا من مقعدي المتفرج إلى طاولة تعاون واحدة”.
فالمسيرات، بحسب التحليل، تكشف عن “قاعدة صارمة في الحروب الحديثة” مفادها أن الدفاع الإسرائيلي يحتاج إلى شراكات استخباراتية وعملياتية تتجاوز الحلفاء التقليديين.