تواجه الترسانة الدفاعية الأمريكية تراجعاً حاداً في مخزونات الصواريخ الاعتراضية، وتحديداً منظومتي “باتريوت” و”ثاد”، بفعل ارتفاع معدلات الاستهلاك العسكري الميداني وبطء تعويض الذخائر، مما أدى إلى تصاعد التنافس بين القيادات العسكرية الأمريكية حول العالم على الموارد المتاحة.
وكشف تقرير استقصائي نشرته شبكة “سي بي إس نيوز” الأمريكية، استناداً إلى مسؤولين مطلعين، أن رئيس أركان الجيش الأمريكي السابق، الجنرال راندي جورج، أطلق تحذيراً أواخر شهر ديسمبر الماضي من عجز حاد في ذخائر الدفاع الصاروخي، مرجحاً استمرار الأزمة لخمس سنوات قادمة.
وجاء هذا التقييم ضمن تحليل المخاطر المدرج في “خطة إدارة القوات العالمية” للسنة المالية 2027، وذلك قبل نحو شهرين من اندلاع الحرب الأمريكية على إيران.
وفي الثاني من أبريل 2026، طلب وزير الدفاع بيت هيغسيث من الجنرال جورج التنحي والتقاعد الفوري في خضم العمليات العسكرية المستمرة.
أرقام حرجة ونسب استنزاف غير مسبوقة
ويعود تراجع مخزونات الصواريخ الدفاعية إلى مسارات متزامنة، أبرزها استهلاك الذخائر في الدفاع عن إسرائيل، ونقل نحو 600 صاروخ “باتريوت” إلى أوكرانيا بدعم من واشنطن وحلفائها الأوروبيين عقب الغزو الروسي، فضلاً عن محدودية القدرة الإنتاجية للقاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية.
وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بوفرة في الذخائر الهجومية كالقنابل صغيرة القطر وذخائر الهجوم المباشر المشترك (JDAM)، تراجعت الدفاعيات إلى مستويات تحمل مخاطر استراتيجية.
ووفقاً لبيانات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، بدأت واشنطن عام 2026 بمخزون يقارب 2300 صاروخ اعتراضي من طراز “باتريوت” الذي يستخدم لحماية المنشآت الحيوية من الصواريخ الباليستية والمجنحة، وتحديداً صواريخ “باك-3” المصممة للاصطدام المباشر.
وخلال المواجهة مع إيران، استُهلك ما بين 1050 و1430 صاروخاً، ما يعادل نحو 61% من إجمالي المخزون ما قبل الحرب، في حين لا يتجاوز المتوقع استلامه خلال السنة المالية 2026 حاجز الـ 500 صاروخ تعويضي.
وطال الاستنزاف منظومة “ثاد” المخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية، والتي يمتلك الجيش الأمريكي منها ثماني بطاريات تدير كل منها 48 صاروخاً.
وأشارت التقديرات إلى أن مخزون ما قبل الحرب بلغ 355 صاروخاً، استُخدم منها ما بين 190 و290 صاروخاً بنسبة استنزاف بلغت نحو 82%، دون وجود شحنات تعويضية مجدولة للسنة المالية 2026، ما دفع واشنطن لطلب أكثر من 800 صاروخ للسنة المالية 2027.
عقبات صناعية وتأخر في جداول التسليم
تعمل شركتا “لوكهيد مارتن” و”آر تي إكس” عبر وحدة “رايثيون” على تسريع خطوط الإنتاج لسد الفجوة. وأعلنت “لوكهيد مارتن” في يناير الماضي عن خطة لمضاعفة إنتاج صواريخ “ثاد” بأكثر من أربعة أضعاف، ليرتفع من 96 إلى 400 صاروخ سنوياً.
غير أن العقبة الرئيسية تكمن في الجداول الزمنية للتسليم؛ إذ أوضح مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن تلبية طلبات صواريخ “ثاد” تتطلب أربع سنوات وخمسة أشهر، بينما يبلغ متوسط مدة تسليم صواريخ “باك-3” نحو ثلاث سنوات ونصف.
وبيّن المستشار الأول بالمركز، مارك كانسيان، أن القاعدة الصناعية الدفاعية صُممت للعمل بكفاءة في أوقات السلم إثر انهيار الاتحاد السوفييتي، وفقدت مرونتها لتوسيع الإنتاج السريع لتلبية متطلبات الحروب الكبرى، محذراً من أن هذه الذخائر ستكون حجر الزاوية في أي مواجهة مستقبلية محتملة مع الصين.
تنافس القيادات العسكرية ونفي رسمي
ويفرض هذا النقص تحديات لوجستية على التخطيط العسكري الأمريكي، حيث يعتمد البنتاغون على “خطة إدارة القوات العالمية” لتوزيع الأصول كل 12 إلى 24 شهراً.
وأدى تزامن الأزمات إلى تنافس مباشر بين القيادات القتالية؛ فالقيادة المركزية بإشراف الأدميرال براد كوبر تدير العمليات المرتبطة بإيران وتحتاج موارد إضافية للكويت، والقيادة في أوروبا تسعى لتعزيز مواقعها في بولندا، بينما تحتفظ قيادة المحيطين الهندي والهادئ بمواردها تحسباً للتهديدات الصينية.
وتجلى هذا التنافس في أبريل 2025، حين أبلغ قائد قيادة المحيطين الهندي والهادئ، الأدميرال صامويل بابارو، مجلس الشيوخ بنقل كتيبة “باتريوت” من نطاقه إلى القيادة المركزية للتعامل مع العمليات ضد الحوثيين في اليمن.
وتشير تقديرات المسؤولين الأمريكيين إلى أن استعادة المخزونات لمستويات ديسمبر 2025 المنخفضة أساساً لن يتحقق قبل عام 2030، شريطة عدم استهلاك ذخائر إضافية في ساحات جديدة.
بالمقابل، نفى المتحدث باسم البنتاغون، شون بارنيل، تقارير نقص الذخائر، مؤكداً أن القوات المسلحة الأمريكية تحتفظ بترسانة دفاعية وهجومية جاهزة لتنفيذ الضربات وحماية المصالح الأمريكية في الزمان والمكان اللذين تحددهما القيادة.
