يشهد القطاع المالي تحولاً بنيوياً متسارعاً تقوده البنوك الكبرى وصناديق التحوط نحو تبني بنية رقمية تعمل على مدار الساعة، مدفوعة بالحاجة إلى إدارة المخاطر خارج أوقات التداول التقليدية.
وأوضح إيغّي يوبّي، رئيس الاستثمار في شركة “ثيو”، أن الانتقال إلى نموذج “always-on” لم يعد ترفاً بل “ضرورة هيكلية”، مشيراً إلى أن إغلاق مضيق هرمز كشف بوضوح كيف كانت الأسواق التقليدية معطلة في عطلة نهاية الأسبوع، بينما وفرت منصات الذهب والنفط المرمّزة الوسيلة الوحيدة للتداول الشفاف والمستمر.
في قلب هذا التحول تبرز عقود الآجلة الدائمة التي تلغي تواريخ الاستحقاق بالكامل وتتيح الاحتفاظ بالمراكز إلى ما لا نهاية، مع تطبيق “معدل تمويل” يدفع كل ساعة لضبط توازن السوق.
وتجاوز الحجم الاسمي العالمي لهذه العقود 60 مليار دولار يومياً. وأشار أندريه غراتشيف، الشريك الإداري في “دي دبليو إف لابز”، إلى أن الغارات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي شكلت لحظة فاصلة، إذ انتقل المتعاملون فوراً إلى منصات العقود الدائمة اللامركزية للنفط والذهب، وعندما فتحت البورصات التقليدية أبوابها اضطرت إلى اللحاق بمستويات الأسعار التي حددتها سلاسل الكتل مسبقاً.
صندوق النقد يحذر من مخاطر التسوية الذرية ويدعو لمرتكز سيادي
وحذر تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي هذا الشهر من أن التسوية الذرية، رغم تعزيزها لكفاءة رأس المال، تلغي الهوامش الزمنية التي تعتمد عليها البنوك والجهات التنظيمية خلال فترات توتر الأسواق.
ويدعو التقرير إلى ضرورة وجود “مرتكز عام” للثقة يتمثل في العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية، محذراً من أن غياب مثل هذه الأصول السيادية للتسوية قد يحول أزمات السيولة إلى سلسلة تصفية قسرية فورية تتجاوز قدرة السلطات على التدخل.
الأصول الحقيقية المرمّزة.. من ذهب وعقارات إلى سندات خزانة
الأصول الحقيقية المرمّزة هي أصول مادية أو تقليدية مثل الذهب والعقارات والنفط والسندات الحكومية، يجري تحويل قيمتها وحقوق ملكيتها إلى رموز رقمية على سلسلة كتل.
ويُعد لاري فينك، الرئيس التنفيذي لـ”بلاك روك”، من أبرز الداعمين لهذا التحول، مؤكداً أن الترميز “يحدث البنية التحتية للنظام المالي”.
وترجمت “بلاك روك” هذه الرؤية عبر صندوق “BUIDL” الذي يرمّز سندات الخزانة الأميركية وقد وصل إلى نحو 3 مليارات دولار من الأصول قيد الإدارة.
المنصات التي تلتزم بالمعايير التنظيمية ستربح السباق
يرى فابيان دوري، رئيس الاستثمار في مجموعة “سيغنوم” السويسرية، أن تبني المؤسسات للعقود الدائمة سيعتمد في النهاية على الإطارين التنظيمي والحضاني وظروف السيولة والتسعير.
ويشير غراتشيف إلى أن المنصات التي ستظل ذات صلة هي تلك التي تستغل السرعة لتحسين معاييرها فعلياً وليس فقط لتسبق التنظيم، مؤكداً أن بنية الامتثال التحتية ستصبح العامل الحاسم في جذب رؤوس الأموال المؤسسية المؤثرة.
ومن المتوقع أن يسرّع تطبيق قانون “GENIUS” في الولايات المتحدة تدفق الاستثمارات نحو المنصات التي تجمع بين الابتكار والحوكمة الرشيدة.