أظهرت أحدث البيانات الرسمية الأوروبية تحولاً جذرياً في التعامل مع ملف اللجوء السوري، إذ هبطت معدلات قبول طلبات الحماية الممنوحة للسوريين إلى 19 بالمئة فقط خلال النصف الأول من عام 2026.
ويمثل هذا الرقم، الوارد في تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، انهياراً حاداً مقارنة بمعدلات القبول التي بلغت 28 بالمئة في عام 2025، وتراجعاً صادماً عن شبه الإجماع المسجل في عام 2024 حين بلغت نسبة القبول 90 بالمئة، ما يعكس توجهاً قارياً حازماً نحو تشديد معايير منح الحماية الدولية وتغيير سياسات الهجرة.
وأصدرت سلطات الهجرة في دول “الاتحاد الأوروبي+”، التي تضم الدول الأعضاء الـ 27 إضافة إلى النرويج وسويسرا، نحو 45 ألف قرار ابتدائي يتعلق بملفات سوريين بين شهري يناير ويونيو من العام الجاري.
وساهم التدني الملحوظ في قبول هذه الملفات في إبقاء المعدل الإجمالي للاعتراف باللجوء منخفضاً عند 31 بالمئة على مستوى التكتل، مع استمرار تفوق قرارات منح “وضع لاجئ” على “الحماية الفرعية”.
وتشاركت عدة جنسيات مع السوريين في مواجهة معدلات قبول بالغة التدني؛ حيث استقرت النسبة عند 3 بالمئة فقط لكل من طالبي اللجوء البنغاليين، والفنزويليين، والبيروفيين، في حين سجل المصريون المعدل الأقل على الإطلاق بواقع 2 بالمئة.
تراجع التدفقات وتخفيف العبء الإداري
تزامن هذا التشدد مع انخفاض ملحوظ في إجمالي طلبات الحماية، حيث تلقت الدول الأوروبية نحو 332 ألف طلب خلال الأشهر الستة الأولى من 2026، بتراجع نسبته 17 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، لتسجل القارة بذلك أدنى حصيلة نصف سنوية منذ عام 2021.
وتعزو وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء هذا الانحسار بشكل رئيسي إلى تراجع أعداد المتقدمين من سوريا، وفنزويلا، وكولومبيا، وأوكرانيا، وتركيا.
ورغم أن هذا التراجع خفف الضغط جزئياً عن أنظمة اللجوء وخفض القضايا العالقة في المرحلة الابتدائية، لا تزال السلطات مثقلة بنحو 770 ألف ملف قيد الانتظار، بانخفاض قدره 8 بالمئة فقط عن العام السابق، ما يبقي العبء كبيراً، لا سيما في مراحل الاستئناف والمراجعة.
الوجهات المفضلة وخريطة الجنسيات
تصدر المواطنون الأفغان قائمة طالبي اللجوء الجدد بتسجيلهم حوالي 39 ألف طلب، أعقبهم الفنزويليون بـ 33 ألفاً، ثم البنغاليون بـ 20 ألفاً.
وعلى صعيد الوجهات الجغرافية، احتفظت فرنسا بصدارتها كأكثر الدول جذباً للمهاجرين داخل دول “الاتحاد الأوروبي+” باستقبالها 69 ألف طلب، تلتها إيطاليا بـ 66 ألفاً، بينما تعادلت إسبانيا وألمانيا بتسجيل حوالي 55 ألف طلب لكل منهما.
واستحوذت هذه الدول الأربع وحدها على 75 بالمئة من إجمالي الطلبات المقدمة، في حين سجلت اليونان، تليها قبرص، أعلى معدلات الضغط عند مقارنة أعداد الطلبات بحجم السكان المحليين.
دبلوماسية الحدود وإغلاق المسارات
ترتبط هذه التحولات الإحصائية بتبني المفوضية الأوروبية لـ “الاستراتيجية الأوروبية لإدارة اللجوء والهجرة” مطلع شهر يناير 2026، والتي أحدثت نقلة في سياسات التعامل مع طالبي الحماية.
وتعتمد هذه الاستراتيجية على مبدأ “دبلوماسية الهجرة” عبر توثيق التعاون مع الدول الشريكة لإدارة المسارات من منبعها.
وتشمل الأولويات الأوروبية الحالية إحكام الرقابة الحدودية، وتفكيك شبكات التهريب، وتسريع آليات العودة وإعادة القبول، مع التركيز على توفير الحماية للاجئين داخل المجتمعات المضيفة خارج حدود التكتل، وفتح مسارات هجرة قانونية محددة وآمنة.
