في مشهد عسكري لم يتكرر منذ ذروة الحرب الباردة، تجتمع ثلاث حاملات طائرات أمريكية تعمل بالطاقة النووية في منطقة الشرق الأوسط في آنٍ واحد، في استعراض غير مسبوق للقوة البحرية الأمريكية.
وأكدت القيادة المركزية الأمريكية أن حاملات الطائرات “أبراهام لينكولن” و”جيرالد آر. فورد” و”جورج إتش. دبليو. بوش” تعمل الآن في نطاق المسؤولية ذاته، ترافقها أجنحتها الجوية القتالية الكاملة.
ويضم هذا التجمع البحري الهائل أكثر من مئتي طائرة مقاتلة، ونحو خمسة عشر ألف بحار وجندي من مشاة البحرية، إلى جانب مجموعات مرافقة تشمل مدمرات وسفن قتال ساحلي وسفناً برمائية هجومية.
حاملات من الطراز الثقيل
تنتمي الحاملات الثلاث إلى فئة “نيميتز”، باستثناء “جيرالد فورد” التي تمثل أحدث جيل من حاملات الطائرات الأمريكية وأول سفينة من فئتها تدخل الخدمة. وتعد “جورج بوش”، التي دخلت الخدمة عام 2009، أحدث حاملات فئة نيميتز العشر في الأسطول.
ويبلغ طول كل من هذه القلاع البحرية العائمة نحو ثلاثمئة متر، وتتجاوز حمولتها مئة ألف طن. وتعتمد جميعها على مفاعلات نووية تمنحها قدرة على الإبحار المتواصل لسنوات دون الحاجة إلى التزود بالوقود، مما يتيح بقاءها في مسرح العمليات لفترات ممتدة دون قيود لوجستية تقليدية.
آلية العمل: كيف تتحول ثلاث حاملات إلى قبضة واحدة؟
توزيع جغرافي يطوق إيران
تتبنى القيادة المركزية توزيعاً مدروساً للحاملات الثلاث. “أبراهام لينكولن” تعمل في شمال المحيط الهندي قرب المياه الإيرانية، بينما تعود “جيرالد فورد” إلى البحر الأحمر بعد توقف لوجستي في موانئ المتوسط، في حين وصلت “جورج بوش” لتوها إلى المنطقة قادمة من المحيط الهندي بعد إبحارها حول الطرف الجنوبي لإفريقيا.
هذا الانتشار يضمن تغطية متكاملة للممرات المائية الحيوية ومضائق الخليج والبحر الأحمر، ويخلق حالة من الحصار البحري متعدد الطبقات.
أجنحة جوية جاهزة للإقلاع
تشكل الأجنحة الجوية المحمولة على هذه الحاملات قوة ضاربة تزيد عن مئتي طائرة مقاتلة، تشمل مقاتلات متعددة المهام وطائرات إنذار مبكر وهليكوبترات متخصصة في مكافحة الغواصات والبحث والإنقاذ. وتتيح منصات الإطلاق المزودة بمنجنيق بخاري وكوابح هبوط متطورة تنفيذ عمليات جوية متواصلة ليلاً ونهاراً.
مهمة الحصار: 33 سفينة في خدمة العزل البحري
في الثالث عشر من أبريل الجاري، بدأت القوات الأمريكية تنفيذ عمليات حصار شامل للموانئ الإيرانية. ويشمل هذا الجهد إعادة توجيه ما لا يقل عن ثلاث وثلاثين سفينة عسكرية، تعمل بتنسيق وثيق مع المجموعات الضاربة للحاملات الثلاث. وتضم القوة البحرية المجمعة تسع عشرة سفينة حربية في الشرق الأوسط، إضافة إلى سبع سفن أخرى في المحيط الهندي.
وتساند الحاملات في مهمتها مجموعة برمائية جاهزة تقودها السفينة الهجومية “يو إس إس تريبولي”، إلى جانب سفن نقل وإنزال برمائية توفر قدرة على إسقاط قوات على الشواطئ إذا اقتضت الضرورة.
لماذا الآن؟
فرض الردع في لحظة التوتر القصوى
يجمع المحللون العسكريون على أن اجتماع ثلاث حاملات طائرات في مسرح إقليمي واحد يمثل أقصى درجات التصعيد قبل الانتقال إلى العمل العسكري المباشر.
فمن أصل إحدى عشرة حاملة تمتلكها البحرية الأمريكية، لا تتوفر عادةً سوى أربع أو خمس حاملات جاهزة للانتشار القتالي في أي لحظة، بسبب دورات الصيانة والتحديث والتدريب الإلزامية.
وبذلك تكون القيادة المركزية قد حشدت ثلاثاً من أصل أربع حاملات متاحة للقتال الفعلي في بقعة واحدة، وهو تخصيص غير مسبوق للموارد يعكس أولوية استراتيجية قصوى.
رسالة تتجاوز إيران
يمنح وجود ثلاث مجموعات ضاربة القدرة على تطويق إيران بحرياً من اتجاهات متعددة في وقت واحد. فبينما تراقب “لينكولن” الخليج وبحر العرب من الشرق، تغلق “فورد” البحر الأحمر من الغرب، وتعمل “بوش” كقوة احتياط هجومي متنقلة قادرة على الالتحام السريع حيث تدعو الحاجة.
في حين تركز العمليات الحالية على الحصار البحري للموانئ الإيرانية، فإن الحضور الكثيف للحاملات الثلاث يبعث برسالة أوسع نطاقاً. فالممرات المائية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، تمثل شرايين التجارة العالمية. ووجود هذه القوة يضمن بقاء هذه الممرات مفتوحة تحت حماية أمريكية مباشرة.
حدث استثنائي في سياق متغير
لم تشهد المنطقة تجمعاً مماثلاً لحاملات الطائرات الأمريكية منذ عقود. ويتطلب هذا المستوى من الحشد تنسيقاً لوجستياً واستخباراتياً هائلاً، بدءاً من جدولة عمليات التزود بالوقود والذخيرة في البحر، وصولاً إلى تكامل أنظمة القيادة والسيطرة بين المجموعات الثلاث.
وتظل هذه القوة البحرية الجرارة في حالة تأهب قصوى، بأجنحتها الجوية المنتشرة على ظهر السفن، وبحارتها البالغ عددهم خمسة عشر ألفاً، في انتظار ما ستسفر عنه الساعات والأيام المقبلة في واحدة من أكثر مناطق العالم توتراً.