تكشف أرقام قطاع الطاقة في العالم العربي عن مفارقة معقدة؛ فامتلاك الموارد الطبيعية أو الاستثمار في محطات التوليد لا يضمنان وصول التيار الكهربائي إلى منازل المواطنين.
وتتكبد دول عربية عدة خسائر بمليارات الدولارات سنوياً نتيجة فجوة هائلة بين حجم الإنتاج الفعلي وما يسجله عداد المستهلك، لتتحول هذه الخسائر إلى أسواق موازية مزدهرة للمولدات الخاصة وأنظمة الطاقة الشمسية.
ويؤكد الخبراء أن التقييم الحقيقي لنجاح أي منظومة كهربائية يعتمد على إجابة سؤال جوهري: من كل 100 ميغاواط تنتجها الدولة، كم وحدة تصل فعلياً للمنازل وتُحصّل قيمتها المالية؟
الفاقد الكهربائي ونزيف الشبكات المتهالكة
وتظهر أحدث البيانات الدولية لعام 2023 تفاقم أزمة خسائر نقل وتوزيع الكهرباء في المنطقة مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 7%. يسجل العراق النسبة الأعلى عالمياً بفاقد يصل إلى 62%، تليه سوريا بـ 22%، ثم ليبيا ومصر بنسبة 20% لكل منهما. وتبلغ النسبة 18.4% في تونس بحسب بيانات “البنك الدولي”، بينما تسجل المغرب 18%.
وترتبط هذه الأرقام بمزيج من الأعطال الفنية الناتجة عن تقادم الشبكات والمحولات، إضافة إلى الخسائر التجارية المتمثلة في التعديات على الخطوط وضعف آليات القياس والفوترة.
العراق وسوريا.. عجز الإنتاج ودمار البنية التحتية
يجسد العراق، رغم ثروته النفطية الهائلة، نموذجاً صارخاً لتعثر قطاع الكهرباء. ينفق البلد نحو 20 تريليون دينار سنوياً على القطاع، وهو ما يمثل 10 إلى 15% من الموازنة العامة، وفقاً لحديث الخبير والأكاديمي الدكتور كوفند شيرواني لشبكة “إرم نيوز”.
ويوضح شيرواني أن التوليد يتراوح بين 20 و22 ألف ميغاواط، بينما تقارب الحاجة الفعلية 60 ألف ميغاواط. ويشير إلى أن الإيرادات المحصلة لا تتجاوز 25% من إجمالي الإنفاق بسبب تهالك الشبكات وتدخلات سياسية أعاقت الإصلاح، داعياً لتبني حلول جذرية على غرار التجربة المصرية مع شركة “سيمنس”.
وتواجه سوريا تحدياً أكثر قسوة يتمثل في تضرر كامل سلسلة الإمداد بفعل سنوات الحرب. يبيّن الباحث الاقتصادي السوري كرم شعار، في تصريح لـ”إرم نيوز”، أن الإنتاج انحدر من 49 ألف غيغاواط/ساعة قبل الأزمة إلى 12.9 ألف غيغاواط/ساعة في 2023.
ويحذر شعار من الاكتفاء بالاستثمار في محطات التوليد بمعزل عن تأهيل شبكات النقل التي تحتاج لمليارات الدولارات، مؤكداً أن المسارين يجب أن يتوازيا لضمان عدم تحول الاستثمارات الجديدة إلى قدرات معطلة.
ليبيا ومصر.. وفرة الموارد وتحديات التشغيل
تثبت الحالة الليبية أن وجود النفط والغاز تحت الأرض لا يترجم تلقائياً إلى استقرار كهربائي فوقها. تعاني المنظومة الليبية من تقادم الشبكات واضطراب إمدادات الوقود المتكرر جراء الصراعات، ما يجعل أي أزمة أمنية قادرة على إغراق المدن في الظلام وتكبيد المواطن تكاليف إضافية لتأمين الكهرباء عبر المولدات.
تقدم مصر تجربة معاكسة في سرعة الإنجاز؛ إذ أضافت 14.4 غيغاواط للشبكة عبر ثلاث محطات عملاقة نفذتها “سيمنس” في العاصمة الإدارية والبرلس وبني سويف.
ويرى أستاذ هندسة الطاقة والرئيس السابق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، حافظ السلماوي، أن امتلاك القدرة المركبة نقل التحدي إلى ملعب آخر يتمثل في تأمين الغاز المشغل للمحطات وتقليص فاقد الشبكة. وتعمل الحكومة المصرية حالياً على مواجهة هذا الفاقد عبر حملات مكافحة سرقات التيار والتوسع في تركيب العدادات الذكية.
لبنان وتونس.. الشبكات الموازية ومعضلة الاستدامة
ودفع الانهيار المالي في لبنان وتراجع التغذية الرسمية المواطنين إلى بناء منظوماتهم الخاصة. يشير تقرير للبنك الدولي إلى أن قدرة أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية المستقلة قفزت لتبلغ نحو 1400 ميغاواط بنهاية 2024.
ويشدد الباحث اللبناني في سياسات الطاقة، مارك أيوب، على ضرورة الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة الفردية إلى إعادة هيكلة شاملة للنظام الكهربائي لدمج الطاقة المتجددة رسمياً واستعادة ثقة المستهلك.
تواجه تونس، التي توفر وصولاً شبه شامل للكهرباء، أزمة مالية خانقة تهدد استدامة الخدمة. تكشف حسابات “الشركة التونسية للكهرباء والغاز” لعام 2023 عن تكبدها خسائر غير مدعومة بلغت 4.5 مليار دينار تونسي (نحو 1.4 مليار دولار)، بالتزامن مع تلقيها دعماً حكومياً قارب 4 مليارات دينار.
ويحذر الخبراء من أن ضعف التحصيل وتراكم الفواتير يمنعان الشركة من تمويل عمليات الصيانة، ما يرفع نسبة الفاقد ويدخل القطاع في حلقة مالية مفرغة.
