في العاشر من أبريل 2023، أطلّت على متابعي موقع “كويت نيوز” مذيعة شقراء ترتدي سترة سوداء، وقدّمت نفسها بعربية فصيحة سليمة: “فضة”، أول مذيعة في الكويت تعمل بالذكاء الاصطناعي. لم يتجاوز ظهورها الأول ثلاث عشرة ثانية، لكنه أشعل نقاشًا واسعًا على منصات التواصل بين من رأى فيه قفزة إلى المستقبل، ومن رأى فيه نذيرًا بنهاية مهنة. وقد قال نائب رئيس التحرير عبدالله بوفتين يومها إن التجربة اختبار لقدرة هذه التقنية على تقديم محتوى مبتكر.
بعد ثلاث سنوات ونيّف، تبدو “فضة” اليوم أقرب إلى لقطة رمزية منها إلى نموذج يُحتذى. فالتحول الحقيقي الذي يعيشه الإعلام العربي لم يأتِ من مذيعين افتراضيين يقرؤون النشرات، بل جاء بهدوء من خلف الشاشات: من أدوات تفرّغ المقابلات في دقائق، وتلخّص التقارير الطويلة، وتفحص الصور المشبوهة، وتقرأ سلوك الجمهور رقمًا رقمًا. والسؤال الذي يواجه غرف الأخبار العربية لم يعد: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: من يتحكم فيه، وبأي ثمن؟
حماسة فردية تسبق المؤسسات
تكشف الدراسات المتاحة مفارقة لافتة: الصحفي العربي سبق مؤسسته إلى هذه الأدوات. فاستطلاع أجرته مؤسسة تومسون رويترز وشمل أكثر من مئتي صحفي في نحو سبعين دولة من الجنوب العالمي، وجد أن 80% منهم يجرّبون أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في عملهم اليومي، بينما لا تملك سوى 13% من غرف الأخبار سياسة مكتوبة تنظّم استخدامها. وفي الاتجاه نفسه، أظهر مسح لمركز “بوليس” التابع لكلية لندن للاقتصاد أن ثلاثة أرباع صحفيي الجنوب العالمي يستخدمون هذه الأدوات بصورة أو بأخرى في جمع الأخبار وإنتاجها وتوزيعها.
أي إن التبنّي يجري غالبًا بمبادرات شخصية: صحفي يفتح نافذة محادثة ليختصر ساعات من العمل الرتيب، من دون تدريب منظّم ولا ضوابط أخلاقية مكتوبة. وتؤكد دراسة نشرتها مجلة Frontiers in Communication عام 2026 أن أدوات الذكاء الاصطناعي في كثير من المؤسسات الإعلامية العربية تُستخدم دون أطر حوكمة، ما يترك المحررين وحدهم أمام أسئلة التحيّز الخوارزمي وخصوصية البيانات.
أما على مستوى المؤسسات، فالصورة أكثر تحفظًا. فقد رصدت الباحثتان زاهرة حرب ورنا عرفات، في دراسة محكّمة عن غرف الأخبار العربية، أن قلة قليلة من المؤسسات تعاملت مع الذكاء الاصطناعي تعاملًا استراتيجيًا، وأن المعوقات تتراوح بين مقاومة بعض المحررين ونقص الكفاءات المتخصصة وغياب خطط التنفيذ.
صحافة بسرعتين
غير أن الحديث عن “الصحافة العربية” بصيغة المفرد يُخفي هوة آخذة في الاتساع. ففي دول الخليج، حيث يبلغ متوسط انتشار الإنترنت نحو 91.7%، تتوافر بنية رقمية تسمح بالتجريب السريع. وقد أدمجت شبكة الجزيرة الذكاء الاصطناعي في مراحل جمع الأخبار وإنتاجها، ولا سيما في التحقق من المعلومات، فيما تبنّت مؤسسات إماراتية مثل “سكاي نيوز عربية” ووكالة أنباء الإمارات “وام” أنظمة لتخصيص المحتوى وتسريع العمل التحريري وتحسين التوزيع.
في المقابل، تتحرك غرف أخبار في دول مثل مصر ولبنان ببطء أكبر، تحت ضغط أزمات اقتصادية وموارد شحيحة. وتحذّر الباحثة سارة آيت خرصة في مجلة الصحافة من أن هذا التفاوت لا يقتصر على الأدوات، بل يمتد إلى الرواية ذاتها: فمن يملك البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يملك قدرًا أكبر من الظهور والتأثير في توجيه النقاش العام، بينما تتراجع أصوات المنصات المحلية والمستقلة إلى الهامش.
معركة اللغة
ثمة عائق بنيوي يخص العربية تحديدًا. فرغم أن أكثر من أربعمئة مليون إنسان يتحدثونها، لا يتجاوز نصيبها من محتوى الويب العالمي 1% وفق تقديرات متداولة، مقابل أكثر من نصف المحتوى بالإنجليزية. وهذا يعني أن النماذج العالمية تعلّمت العربية من نصوص أقل، وغالبًا من مصادر لا تعكس ثراء لهجاتها وسياقاتها الثقافية.
من هنا جاء الرهان الخليجي على نماذج لغوية عربية “سيادية”. ففي أغسطس 2023 أطلقت “إنسبشن” التابعة لمجموعة G42، بالتعاون مع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، نموذج “جيس” مفتوح المصدر، ثم تطور إلى “جيس 2” بسبعين مليار مُعامِل. وإلى جانبه نموذج “فالكون” من معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي، و”علّام” السعودي، و”فنار” القطري. ولهذه النماذج أهمية خاصة للصحافة، إذ إنها تَعِد بأدوات تفهم السياق المحلي ولا تحوّل الخبر العربي إلى ترجمة باهتة لمنطق لغة أخرى.
الخطر الأكبر: الثقة
لكن المعضلة الأعمق ليست تقنية. فقد وجد تقرير الأخبار الرقمية 2026 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد أن استخدام روبوتات المحادثة مصدرًا أسبوعيًا للأخبار ارتفع عالميًا من 7% إلى 10% خلال عام واحد، ويصل إلى 16% بين من هم دون الخامسة والثلاثين. ويعني ذلك أن جيلًا جديدًا بدأ يتلقى الخبر من وسيط آلي لا من المؤسسة الصحفية نفسها، بما يحمله ذلك من تهديد لحركة الزيارات والعلاقة المباشرة مع القارئ.
وفي منطقة شهدت حروبًا متتالية، صار التزييف العميق سلاحًا قائمًا بذاته. فمدققو المعلومات في غزة وغيرها يواجهون سيلًا من الصور والمقاطع المولّدة آليًا، ويؤكدون أن الدفاع الأنجع ما زال يعتمد على الشبكات البشرية والمعرفة المحلية أكثر من الخوارزميات وحدها. وقد أطلقت منصة “عربي فاكتس هب” أواخر 2025 مسحًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار ومؤسسات التحقق العربية، في محاولة لسد فجوة البيانات في هذا المجال.
الصحفي الذي يبقى
لا يعني كل ذلك أن الصحفي العربي في طريقه إلى الانقراض. فدراسة ميدانية على قناة “المملكة” الأردنية خلصت إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يلغِ دور الصحفيين، بل أضاف إليه مهامًا جديدة: مراقبة المحتوى المولّد آليًا والتحقق منه، وتوظيف اللمسة الإنسانية الإبداعية التي لا تستطيع الآلة محاكاتها. كما خلصت مراجعة علمية منشورة في دورية AI & Society إلى أن الصحفيين العرب يرون أثر الذكاء الاصطناعي الإيجابي أوضح من أثره السلبي.
وتشير دراسة Frontiers أيضًا إلى أن المحررين العرب كثيرًا ما يعدّلون توصيات الأنظمة الذكية أو يرفضونها حين تتعارض مع القيم التحريرية أو الأعراف الثقافية. وفي هذا التفصيل الصغير يكمن جوهر المسألة: الآلة قادرة على الكتابة، لكن الحكم التحريري ما زال بشريًا.
المستقبل إذن لن يكون لغرف الأخبار التي تستبدل الصحفيين بالخوارزميات، بل لتلك التي تستثمر في صحفيين يعرفون كيف يوظفون الخوارزميات دون أن يسلّموها مفاتيح القرار. فالذكاء الاصطناعي سيكتب الخبر العاجل أسرع من أي إنسان، لكنه لن يعرف وحده لماذا يهم هذا الخبر، ولمن، وفي أي سياق. وتلك، تحديدًا، هي المهنة.
المصادر
- معهد رويترز – تقرير الأخبار الرقمية 2026
- معهد الجزيرة للإعلام – سد فجوة الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار العربية
- معهد الجزيرة للإعلام – التحقق في زمن الحرب
- Frontiers in Communication (2026)
- حرب وعرفات – تبنّي الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار العربية
- AI & Society – مراجعة نطاقية (2025)
- Arab Media & Society – الصحفيون الأردنيون في عصر الذكاء الاصطناعي
- الجزيرة – المذيعة الافتراضية “فضة”
- G42 – نموذج “جيس”
- Cerebras – نموذج “جيس 2”
- Fast Company الشرق الأوسط – النماذج العربية
- الفنار للإعلام – مسح “عربي فاكتس هب”
