معركة المضيق ليست على بلدات ساحلية، بل على الجغرافيا الاقتصادية للخليج في العقد المقبل
ممرّ الدموع يعود إلى الواجهة
في يوم واحد، الخامس من أكتوبر، اجتمع مشهدان يلخّصان عامًا كاملًا من الاضطراب: مئة مقاتلة تحلّق فوق الساحل الغربي لليمن دعمًا لقوات الحكومة الشرعية وهي تستعيد ذُباب وما حولها عند فوهة باب المندب، وفي الوقت نفسه وزراء دفاع السعودية وتركيا وباكستان يعلنون تفعيل “إجراءات الردع الجماعي” بموجب تحالف مكة الدفاعي. المشهد الأول عسكري ميداني، والثاني سياسي استراتيجي، لكنهما في الحقيقة وجهان لسؤال واحد: من يحرس شرايين العالم حين تتصدّع المظلات القديمة؟
العرب سمّوا هذا المضيق قديمًا “باب المندب”، أي باب النُّدبة والبكاء، لكثرة ما ابتلع من سفن. واليوم يبدو الاسم أصدق من أي وقت مضى؛ فالممر الذي تعبره نحو 12% من التجارة العالمية، بحسب أسوشيتد برس، تحوّل منذ مطلع سبتمبر إلى رهينة، بعدما سيطر الحوثيون على مدينة المخا وعدد من جزر البحر الأحمر، وباتوا يتحكمون في الضفة اليمنية للمضيق.
حين يصبح البديل هو الهدف
لفهم خطورة ما جرى، ينبغي أن ننظر شرقًا. منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هذا العام، صار مضيق هرمز ساحة متنازعًا عليها: حصار أمريكي من جهة، وتهديدات الحرس الثوري للسفن العابرة من جهة أخرى. وكان الحل الخليجي البديهي هو الالتفاف على هرمز عبر خطوط الأنابيب نحو البحر الأحمر، حتى إن نحو 40% من صادرات نفط الشرق الأوسط (باستثناء إيران) باتت تتجاوز هرمز عبر مسارات بديلة، وفق متابعة شبكة سي بي إس نيوز.
هنا بالضبط تكمن المفارقة القاسية: الطريق البديل نفسه أصبح هدفًا. فمن يمسك بباب المندب يمسك بمخرج البحر الأحمر الجنوبي، أي بنصف خطة الطوارئ التي بُنيت لتجاوز هرمز. ولم يكن صدفة أن تطال الضربات الحوثية، وفق ما أعلنته الجماعة، مطار الملك خالد في الرياض ومصفاة أرامكو في رابغ على الساحل الغربي. الرسالة كانت واضحة: لا ممر آمنًا في هذه الحرب، لا شرقًا ولا غربًا.
ولذلك فإن معركة ذُباب والمخا ليست معركة على بضع بلدات ساحلية، بل معركة على تعريف الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة لعقد قادم. التحالف بقيادة السعودية أعلن تدمير 324 هدفًا “عالي القيمة”، والحكومة اليمنية أعلنت استعادة المخا ومطار ذُباب، فيما ينفي الحوثيون خسارة أي أرض. والحقيقة الميدانية ستتضح في الأيام المقبلة، لكن الحقيقة الاستراتيجية واضحة منذ الآن: المضيق عاد إلى قلب المعادلة.
تحالف مكة: هندسة أمنية جديدة
أما الحدث الأعمق دلالة فهو تفعيل تحالف مكة. وُقّع الاتفاق في السابع من أغسطس الماضي، وينص على أن الاعتداء على أي من الدول الثلاث اعتداء على الجميع. ويوم الخامس من أكتوبر قال وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إن اللجنة اتفقت على تفعيل إجراءات الردع الجماعي ردًا على الهجمات، مع التزام تركيا وباكستان بتوفير القوات والقدرات المتفق عليها ونشرها سريعًا في المملكة.
الأرقام وحدها تكشف حجم ما نتحدث عنه: بحسب الجزيرة، يضم الأعضاء الثلاثة مجتمعين نحو 1.4 مليون جندي عامل، و3400 طائرة عسكرية، و6000 دبابة، وأكثر من 340 قطعة بحرية. ثم إن أحد الأطراف قوة نووية. نحن إذن أمام أول اختبار عملي لتحالف إقليمي يتجاوز الإطار العربي التقليدي، ويضع العمق الإسلامي الآسيوي في خدمة أمن الجزيرة العربية.
الدلالة السياسية هنا تتجاوز اليمن. لعقود، قامت معادلة أمن الخليج على مظلة خارجية، أمريكية في الغالب. وما نراه اليوم ليس قطيعة مع واشنطن، فوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أكد حق الحكومة اليمنية في الدفاع عن نفسها، والولايات المتحدة تقدم الدعم الاستخباراتي والتخطيطي، لكنه تحوّل في توزيع الأعباء. القوى الإقليمية لم تعد تكتفي بانتظار الأساطيل البعيدة، بل تبني شبكات أمانها الخاصة. وهذا درس تستوعبه المنطقة بأكملها، من الخليج إلى القرن الأفريقي.
الثمن الذي لا يظهر في البيانات العسكرية
غير أن التحليل الاستراتيجي يفقد نزاهته إن تجاهل الإنسان. فمنذ السادس من أغسطس، سجّلت منظمة الصحة العالمية أكثر من خمسة آلاف إصابة، بينها 959 قتيلًا، ونزح قرابة مئتي ألف شخص، وعبر أكثر من 3600 البحر إلى جيبوتي. وتضاعفت حالات الكوليرا المشتبه بها ثلاث مرات في ثلاثة أسابيع، فيما يقول برنامج الأغذية العالمي إن ثلاث أسر من كل أربع في بعض مناطق اليمن تواجه الجوع، كما نقلت صحيفة ذا ناشيونال.
اليمن الذي خرج من حرب أودت بأكثر من 150 ألف شخص، ونعم بهدنة هشة استمرت أربع سنوات، يُعاد اليوم إلى المربع الأول. وكل انتصار عسكري لا يُترجم إلى أفق سياسي سيظل انتصارًا مؤقتًا، لأن الجغرافيا التي يحرسها السلاح وحده تحتاج إلى حراسة دائمة.
ما الذي ينبغي أن تتعلمه المنطقة؟
الدرس الأول اقتصادي: لا يكفي أن تملك بديلًا لهرمز، بل ينبغي أن تملك بدائل للبديل. تنويع منافذ التصدير، وتعدد الموانئ والأنابيب، والاستثمار في أمن الممرات البحرية بالتعاون مع الدول المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، لم تعد رفاهية تخطيطية بل شرطًا للبقاء الاقتصادي. واللافت أن الأسواق قرأت الأحداث بهدوء نسبي، إذ تراجع خام برنت إلى ما دون مئة دولار للبرميل رغم احتدام القتال، وهو ما يعكس أن الإمدادات وجدت طرقها، لكنه لا يعني أن المخاطر زالت.
والدرس الثاني سياسي: الردع ضروري، لكنه ليس استراتيجية كاملة. تحالف مكة يمنح المملكة عمقًا عسكريًا ورسالة ردع واضحة، غير أن قيمته الحقيقية ستُقاس بقدرته على فرض شروط تفاوض أفضل، لا بقدرته على إطالة الحرب. فالحوثيون، كما أثبتت التجربة، لا يُهزمون بالضربة القاضية، بل يُحاصَرون بالسياسة بعد أن يُوقَفوا بالقوة.
والدرس الثالث يخص النظام الدولي: في عالم تتآكل فيه المظلات الكبرى، تتقدم التحالفات المرنة متعددة الأقطاب. والمنطقة العربية، التي كانت لعقود ساحة لصراعات الآخرين، تملك اليوم فرصة لأن تكون صانعة لأمنها، شرط أن تحسن الجمع بين القوة والحكمة.
في التاريخ، لم تكن المضائق مجرد ممرات مائية؛ كانت دائمًا مقاييس لميزان القوة. ومن يقرأ مشهد هذا الأسبوع جيدًا يدرك أن معركة باب المندب ليست عن اليمن وحده، ولا عن النفط وحده، بل عن سؤال أكبر: هل يستطيع هذا الإقليم أن يحمي شرايينه بنفسه؟ الإجابة بدأت تُكتب بالطائرات والتحالفات، لكنها لن تكتمل إلا حين يُكتب سطرها الأخير على طاولة سلام. فالمضائق تُفتح بالقوة، لكنها لا تبقى مفتوحة إلا بالسياسة.
