خاص -29sec
منذ أكتوبر/تشرين الأول 2021 يقود عزيز أخنوش الحكومة المغربية، بعد فوز حزب التجمع الوطني للأحرار في الانتخابات التشريعية التي أنهت عشر سنوات من قيادة حزب العدالة والتنمية للحكومة.
ويعد أخنوش أحد أبرز رجال الأعمال في المغرب، إذ يرأس مجموعة أكوا (Akwa Group)، التي تنشط في قطاعات المحروقات والغاز والطاقة والعقارات والإعلام، كما يُصنف ضمن أبرز رجال الأعمال في المملكة.
ولد أخنوش عام 1961 في مدينة تافراوت جنوب المغرب، وتولى منذ عام 2007 وزارة الفلاحة والصيد البحري في حكومات متعاقبة، قبل أن يقود حزب التجمع الوطني للأحرار إلى الفوز في انتخابات 2021، ويُكلف من العاهل المغربي الملك محمد السادس بتشكيل الحكومة الجديدة.
وقدّم نفسه منذ اليوم الأول باعتباره رجل إدارة واستثمار أكثر منه سياسياً تقليدياً، واضعاً التنمية الاقتصادية والاستثمار في مقدمة أولويات حكومته.
كيف تشكلت الحكومة؟
وأُعلنت الحكومة المغربية الجديدة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2021، وضمت ائتلافاً من ثلاثة أحزاب هي:
التجمع الوطني للأحرار.
الأصالة والمعاصرة.
حزب الاستقلال.
وحصل هذا الائتلاف على أغلبية مريحة داخل مجلس النواب، الأمر الذي منح الحكومة قدرة على تمرير مشاريع القوانين والبرامج الاقتصادية والاجتماعية.
ورفعت الحكومة شعار “الدولة الاجتماعية”، متعهدة بإصلاح المنظومة الصحية، وتعميم الحماية الاجتماعية، وتحسين التعليم، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل جديدة، إلى جانب تنفيذ النموذج التنموي الجديد الذي اعتمده المغرب.
خمس سنوات من الإصلاحات
ومنذ تشكيلها، ركزت حكومة أخنوش على مجموعة من الملفات الاستراتيجية، أبرزها تعميم التغطية الصحية الإلزامية، وتوسيع برامج الدعم الاجتماعي المباشر، وإصلاح القطاع الصحي، وإطلاق الميثاق الجديد للاستثمار بهدف رفع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد المغربي.
كما واصلت الحكومة تنفيذ مشاريع ضخمة في البنية التحتية، شملت توسعة الطرق والسكك الحديدية، وإنشاء محطات لتحلية مياه البحر، وبناء سدود جديدة لمواجهة أزمة الجفاف، إضافة إلى مشاريع مرتبطة باستعدادات المغرب لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
وفي القطاع الصناعي، واصل المغرب تعزيز مكانته كأحد أكبر منتجي السيارات في أفريقيا، مع استمرار توسع الصناعات المرتبطة بالطيران والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، وهو ما جعل جذب الاستثمار الأجنبي أحد أبرز محاور السياسة الاقتصادية للحكومة.
الاقتصاد بالأرقام
دخلت حكومة أخنوش عام 2026 مستندة إلى مؤشرات اقتصادية اعتبرتها المؤسسات الدولية من بين الأفضل خلال العقد الأخير.
ووفق البنك الدولي، بلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي للمغرب خلال عام 2025 نحو 182 مليار دولار أمريكي، مدفوعاً بانتعاش القطاع الزراعي، والاستثمارات العمومية، وتحسن أداء السياحة والصادرات الصناعية.
كما سجل الاقتصاد المغربي معدل نمو بلغ 4.9% خلال عام 2025، وهو أعلى معدل نمو يحققه المغرب منذ سنوات، بينما توقع البنك الدولي استمرار النمو خلال 2026 بنسبة 4.2% مع استمرار الاستثمارات الحكومية الكبرى، وتعافي النشاط الزراعي، وارتفاع الطلب المحلي.
وسجل معدل التضخم تراجعاً واضحاً ليصل إلى نحو 0.8% خلال 2025، بعد موجة ارتفاع الأسعار التي شهدها المغرب خلال عامي 2022 و2023، بينما توقع بنك المغرب استمرار التضخم عند مستويات منخفضة خلال 2026.
كذلك انخفض عجز الموازنة إلى نحو 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغ عجز الحساب الجاري قرابة 2.1% من الناتج المحلي، وهو ما اعتبرته المؤسسات الدولية مؤشراً على تحسن الاستقرار المالي.
البطالة… التحدي الأكبر
ورغم تحسن المؤشرات الاقتصادية، بقيت البطالة أبرز تحديات حكومة أخنوش.
فوفق المندوبية السامية للتخطيط، بلغ معدل البطالة في المغرب نحو 13.1% خلال عام 2025، مع استمرار ارتفاعها بين الشباب وخريجي الجامعات، وهو ما جعل ملف التشغيل في مقدمة الانتقادات الموجهة للحكومة.
وفي المقابل، تشير تقديرات البنك الدولي المبنية على بيانات منظمة العمل الدولية إلى معدل أقل، إلا أن الحكومة تعتمد بصورة رسمية أرقام المندوبية السامية للتخطيط باعتبارها الجهة الوطنية المختصة بالإحصاء.
وترى الحكومة أن مشاريع الاستثمار والإصلاح الاقتصادي ستساهم تدريجياً في خفض البطالة خلال السنوات المقبلة، بينما تؤكد المعارضة أن سوق العمل ما يزال عاجزاً عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن فرص عمل.
الاستثمار محرك النمو
اعتمدت الحكومة سياسة تقوم على تشجيع الاستثمار باعتباره المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي.
وأطلقت الميثاق الجديد للاستثمار لتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين المحليين والأجانب، كما رفعت الإنفاق العمومي على مشاريع البنية التحتية، خاصة تلك المرتبطة بالمياه والطرق والسكك الحديدية والموانئ.
وأشار البنك الدولي إلى أن الاستثمار الثابت ارتفع بنحو 16.8% خلال عام 2025، مدفوعاً بالمشاريع الحكومية الكبرى، في حين خصص المغرب أكثر من 190 مليار درهم لمشاريع البنية التحتية والاستعدادات الخاصة باستضافة كأس العالم 2030، بما يشمل تطوير الملاعب، وشبكات النقل، والمرافق اللوجستية.
كما واصل المغرب استقطاب استثمارات أجنبية في قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة، مستفيداً من موقعه الجغرافي واتفاقيات التجارة الحرة التي تربطه بعدد من الشركاء الدوليين.
السياحة تعود بقوة
شهد قطاع السياحة انتعاشاً كبيراً خلال عامي 2025 و2026، بعدما تجاوزت أعداد السياح مستويات ما قبل جائحة كورونا، وهو ما وفر مورداً مهماً للعملة الصعبة وأسهم في دعم النمو الاقتصادي، إلى جانب استمرار تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج عند مستويات مرتفعة، وهو ما عزز احتياطيات النقد الأجنبي لدى المملكة.
شراكة استراتيجية مع إسبانيا
شكّلت العلاقات المغربية الإسبانية أحد الملفات الخارجية الأكثر أهمية خلال ولاية حكومة عزيز أخنوش. فبعد الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت بين الرباط ومدريد عام 2021 على خلفية استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو للعلاج، دخل البلدان مرحلة جديدة من التقارب عقب الرسالة التي بعث بها رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الملك محمد السادس، والتي أعلنت فيها مدريد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب لحل نزاع الصحراء.
ومنذ ذلك الحين، تطورت العلاقات الثنائية في مجالات متعددة، خصوصاً الاقتصاد والأمن والهجرة والطاقة. وأصبح المغرب بالنسبة لإسبانيا والاتحاد الأوروبي شريكاً رئيسياً في مراقبة الحدود الجنوبية لأوروبا ومكافحة شبكات تهريب البشر.
كما ارتفع مستوى التنسيق بين البلدين في التحضير المشترك لاستضافة كأس العالم 2030، حيث شكلت المشاريع الرياضية والنقلية واللوجستية مجالاً جديداً للتعاون بين الرباط ومدريد.
ملف الهجرة.. اختبار أمني وإنساني
ظل ملف الهجرة غير النظامية من أكثر الملفات حساسية أمام الحكومة المغربية، بحكم موقع المملكة الجغرافي كحلقة وصل بين أفريقيا وأوروبا.
ويعتبر المغرب في الوقت نفسه بلداً للعبور وبلداً مستقبلاً لعدد متزايد من المهاجرين، وهو ما دفع الحكومة إلى تعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي وإسبانيا في مجال مراقبة الحدود، ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين، وتنظيم أوضاع بعض المهاجرين المقيمين داخل البلاد.
وتؤكد الرباط باستمرار أن التعامل مع الهجرة لا يمكن أن يكون أمنياً فقط، بل يحتاج أيضاً إلى مقاربة تنموية تعالج الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الشباب إلى محاولة الوصول إلى أوروبا.
أزمة سبتة.. اختبار جديد للعلاقة مع مدريد
مثلت أحداث سبتة عام 2026 أحد أكبر الاختبارات الأمنية والدبلوماسية لحكومة أخنوش، بعدما شهدت المدينة الخاضعة للإدارة الإسبانية موجة عبور جماعي للمهاجرين من الجانب المغربي.
وأعادت التطورات إلى الأذهان أزمة مايو/أيار 2021، عندما دخل آلاف الأشخاص إلى سبتة خلال فترة قصيرة، وهو ما تسبب آنذاك في توتر سياسي كبير بين المغرب وإسبانيا.
لكن التعامل مع أزمة 2026 اتخذ مساراً مختلفاً، إذ سارعت السلطات المغربية إلى تعزيز انتشارها الأمني في المناطق الحدودية، ومنع تجمعات جديدة، والعمل على احتواء الوضع قبل تحوله إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة.
كما استمر التنسيق بين الرباط ومدريد عبر القنوات الأمنية، حيث ركز الجانبان على إعادة ضبط الحدود، وتبادل المعلومات حول شبكات تهريب البشر، وتنفيذ إجراءات إعادة الأشخاص الذين دخلوا الأراضي الإسبانية بطريقة غير نظامية وفق الاتفاقات المعمول بها.
ورغم الضغوط السياسية والإعلامية التي رافقت الأزمة، حافظ البلدان على علاقاتهما الرسمية، في مؤشر على أن التعاون الأمني والاقتصادي أصبح أكثر رسوخاً مقارنة بفترات التوتر السابقة.
المغرب والاتحاد الأوروبي
تعتبر أوروبا الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، ولذلك عملت حكومة أخنوش على الحفاظ على علاقات قوية مع الاتحاد الأوروبي، خاصة في مجالات التجارة والطاقة والهجرة.
ويحظى المغرب بأهمية متزايدة لدى الأوروبيين بسبب موقعه الجغرافي، واستقراره السياسي، ودوره في ملفات الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية.
كما يسعى المغرب إلى تعزيز موقعه كمركز صناعي ولوجستي يربط أوروبا بأفريقيا، مستفيداً من موانئه الكبرى، وفي مقدمتها ميناء طنجة المتوسط، ومن قربه من الأسواق الأوروبية.
حضور أفريقي ودولي متزايد
واصلت حكومة أخنوش نهج السياسة الخارجية المغربية القائمة على تعزيز العلاقات مع القارة الأفريقية، من خلال الاستثمار والتعاون الاقتصادي والمشاريع المشتركة.
كما حافظ المغرب على علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، التي تعتبر المملكة حليفاً مهماً في منطقة شمال أفريقيا، إلى جانب تطوير التعاون مع دول الخليج في مجالات الاستثمار والطاقة.
وفي المحافل الدولية، ظل ملف الصحراء المغربية محوراً أساسياً في التحركات الدبلوماسية المغربية، حيث ركزت الرباط على توسيع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل السياسي للنزاع.
بين الإنجازات والانتقادات
بعد نحو خمس سنوات من قيادة عزيز أخنوش للحكومة، تظهر حصيلة تجمع بين إصلاحات واسعة وتحديات مستمرة.
فمن جهة، نجحت الحكومة في مواصلة برامج الحماية الاجتماعية، وتوسيع التغطية الصحية، وجذب الاستثمارات، وتعزيز مكانة المغرب الاقتصادية، والحفاظ على علاقات خارجية مستقرة، خصوصاً مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي.
كما استفاد الاقتصاد المغربي من تحسن مؤشرات النمو، وتراجع التضخم، وارتفاع الاستثمار، وانتعاش السياحة والصناعة.
لكن في المقابل، بقيت ملفات مثل البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة والفوارق الاجتماعية من أكبر نقاط الضغط على الحكومة. فبالنسبة لجزء كبير من المواطنين، يبقى معيار نجاح أي حكومة مرتبطاً بقدرتها على تحسين الدخل وفرص العمل وليس فقط بتحسن المؤشرات الاقتصادية العامة.
كما تعرضت الحكومة لانتقادات سياسية بسبب ارتفاع أسعار بعض المواد الأساسية خلال السنوات الماضية، وبسبب استمرار تحديات القطاع الصحي والتعليم والتشغيل، رغم الإصلاحات التي أطلقتها.
