بين “إعلان العلمين” وخطاب آبي أحمد، يقف الإقليم أمام سؤال قديم بثوب جديد: لمن البحر، ومن يدفع ثمن إغلاقه؟
مشهدان في ثماني وأربعين ساعة
في مساء الأحد الرابع من أكتوبر، جلس أربعة قادة حول طاولة واحدة في مدينة العلمين الجديدة على ساحل المتوسط: الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود. خرجوا ببيان يقول، في جوهره، إن حوكمة البحر الأحمر شأن حصري لدوله المشاطئة، مع التمسك بحرية الملاحة، وربطوا ذلك في النص نفسه بمياه النيل ورفض أي إجراءات أحادية تضر بدولتي المصب.
وفي صباح الاثنين، وعلى بُعد آلاف الكيلومترات، وقف رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أمام برلمان بلاده بعد أدائه اليمين لولاية جديدة، ليقول إن المنفذ البحري مسألة تتصل بـ”حضارة” إثيوبيا، وإن بلاده ستعمل بجد، وفق مبدأ “الأخذ والعطاء”، لتأمين منفذ إلى البحر.
لم يُذكر اسم إثيوبيا في بيان العلمين، ولم يذكر آبي أحمد قمة العلمين بالاسم. لكن الرسالتين كانتا تتحاوران بوضوح لا يحتاج إلى ترجمان. وبينهما، في اليوم السابق للقمة، كانت القوات الفيدرالية الإثيوبية تستعيد ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي، بعد أن أعلنت جبهة تحرير تيغراي انسحابها “المؤقت” منها، في جولة قتال جديدة اندلعت في الثالث والعشرين من سبتمبر.
الجغرافيا حين تصير عقيدة
القصة في جذرها قصة خريطة. منذ استقلال إريتريا عام 1993، صارت إثيوبيا، ثاني أكثر دول أفريقيا سكانًا، دولة حبيسة بلا ساحل. ويمر نحو 95 في المئة من تجارتها الواردة عبر ميناء جيبوتي، أي أن اقتصادًا بهذا الحجم يتنفس من رئة واحدة.
من هنا يمكن فهم الهاجس الإثيوبي من دون تبنّيه بالضرورة. دولة تبني أكبر سد كهرومائي في القارة، افتتحته رسميًا في التاسع من سبتمبر 2025 بقدرة تتجاوز خمسة آلاف ميغاواط، ترى أن طموحها الصناعي سيظل معلقًا ما دام منفذها إلى العالم رهن جار واحد ورسوم يحددها غيرها.
لكن المشكلة ليست في الحاجة، بل في لغتها. حين يتحول المنفذ البحري من مصلحة اقتصادية تُنال بالعقود إلى مسألة “حضارية” تُستدعى فيها الذاكرة التاريخية، يقرأ الجيران في الخطاب ما هو أبعد من الموانئ: يقرؤون فيه مراجعة للحدود. وقد جرّبت المنطقة ذلك فعلًا في الأول من يناير 2024، حين وقّعت أديس أبابا مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال تتيح لها استئجار عشرين كيلومترًا من الساحل لخمسين عامًا بغرض إقامة قاعدة بحرية وميناء تجاري، فاعتبرتها مقديشو اعتداءً على سيادتها، ودخلت العلاقة بين البلدين نفقًا طويلًا.
العلمين: تحالف المياه والملح
في المقابل، يحمل بيان العلمين منطقًا مفهومًا هو الآخر: البحر ليس فراغًا يملؤه الأقوى، والسيادة على السواحل ليست قابلة للتفاوض تحت ضغط الحاجة. غير أن الأهم في البيان هو ما يكشفه من هندسة سياسية جديدة.
فللمرة الأولى بهذا الوضوح، يُربط ملف البحر الأحمر بملف النيل في وثيقة واحدة. القاهرة والخرطوم تخوضان منذ أكثر من عقد خلافًا مع أديس أبابا حول سد النهضة، وأسمرة ومقديشو تخشيان على سواحلهما. والنتيجة محور يجمع “الماء” و”الملح” في مواجهة طرف واحد، مع اتفاق على قمم دورية وآلية تنفيذية لمتابعة المخرجات.
هذا الربط قد يمنح الموقف التفاوضي العربي والأفريقي وزنًا أكبر، لكنه ينطوي على مخاطرة: حين تُجمع الملفات كلها في سلة واحدة، يصبح كل خلاف صغير جزءًا من صراع وجودي، وتضيق مساحة الصفقات الجزئية التي كثيرًا ما كانت مخرجًا من الأزمات الكبرى. وتزداد الصورة تعقيدًا مع اتهام أديس أبابا لإريتريا ومصر والسودان بدعم المعارضة المسلحة في تيغراي، وهو اتهام تنفيه القاهرة والخرطوم.
لماذا يعنينا في الخليج؟
قد يبدو القرن الأفريقي بعيدًا عن الخليج، لكن البحر الأحمر هو الامتداد الطبيعي لأمنه الاقتصادي. فالممر نفسه يعيش منذ أشهر على وقع حرب مفتوحة: الحوثيون استهدفوا مطاري جازان ونجران في هجومين أصابا ثلاثة أشخاص، فيما استعادت القوات المدعومة من التحالف بلدات حول باب المندب. وفي الشرق، تكشف بيانات هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية عن تسع هجمات في مضيق هرمز خلال أكتوبر وحده، مع تجاوز خام برنت مئة دولار للبرميل.
في عالم تتعرض فيه الممرات البحرية للضغط من الشرق والجنوب معًا، يصبح آخر ما يحتاجه الإقليم جبهة ثالثة على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر. أي نزاع بين إثيوبيا وجيرانها لن يبقى محليًا؛ سيستدعي قوى إقليمية ودولية، ويرفع كلفة التأمين والشحن، ويضع الاستثمارات الخليجية الضخمة في موانئ القرن الأفريقي وزراعته وطاقته في دائرة الخطر.
والمفارقة أن الإقليم يملك أداة جاهزة لم تُستثمر بما يكفي: مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، الذي وُقّع ميثاقه في الرياض في يناير 2020 بعضوية ثماني دول. هذا المجلس قد يكون المنصة الأنسب لتحويل السؤال من “من يملك البحر؟” إلى “كيف نديره معًا؟”.
من منطق السيادة إلى منطق الممرات
الحل، في تقديري، لا يكمن في انتصار إحدى الروايتين. لا يمكن لإثيوبيا أن تحصل على البحر بخطاب التاريخ أو بفرض الأمر الواقع، ولا يمكن لدول الساحل أن تتجاهل إلى الأبد أن على حدودها دولة كبرى سكانيًا تختنق اقتصاديًا. التاريخ الحديث مليء بنماذج دول حبيسة نالت منافذ مستقرة عبر ممرات تجارية مضمونة بالاتفاقات، وموانئ بإدارة مشتركة، ومناطق حرة، من دون أن يُمسّ شبر من سيادة جيرانها.
الإشارة الأكثر تفاؤلًا جاءت من حيث لا يُتوقع: الرئيس الصومالي نفسه قال إنه لا يمانع حصول إثيوبيا على منفذ عبر الأراضي الصومالية، شرط أن يكون ذلك بتفاوض رسمي بين دولتين. هذه هي المعادلة كلها في جملة واحدة: الحاجة مشروعة، والطريق إليها يمر عبر الدول لا من فوقها.
وهنا يأتي دور الوسطاء. فالخليج، بثقله الاستثماري وعلاقاته المتوازنة مع ضفتي البحر، مؤهل لتقديم ما لا تستطيعه الأطراف وحدها: ضمانات اقتصادية، وتمويل لممرات وموانئ مشتركة، وطاولة يجلس إليها الجميع من دون أن يشعر أحد أنه جاء مهزومًا.
البحر لا يحتمل عطشين
في القرن الأفريقي اليوم عطشان: دولة عطشى إلى البحر، ودول عطشى إلى النهر. وإذا تُرك العطشان يتصارعان، فلن يربح أحد قطرة إضافية؛ ستضيع المياه والموانئ معًا في دخان الحرب.
البحر الأحمر لم يكن يومًا ملكًا لمن يصرخ أعلى، بل لمن يحسن إدارته. والمنطقة التي تعلمت بثمن باهظ أن أمن الممرات لا يتجزأ، أمامها فرصة لتثبت أن الجغرافيا ليست قدرًا، بل عقدًا يُكتب بالتفاوض. فإما أن يصبح البحر جسرًا بين ضفتيه، وإما أن يصير خندقًا يدفع الجميع ثمن حفره.
