سجلت نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية تقدماً تقنياً متسارعاً يهدد بإعادة رسم خريطة النفوذ التكنولوجي العالمي، حيث انخفضت نسبة تفوق الأنظمة الأميركية إلى 3 بالمئة فقط. هذا التحول، الذي تقوده بشكل بارز شركة “ديب سيك” (DeepSeek)، يضع ضغوطاً غير مسبوقة على الهيمنة الأميركية، وفقاً لتقرير حديث صادر عن مؤسسة “بلومبرغ إنتليجنس”.
تراجع الفارق التقني بين الشركات الصينية ونظيراتها الأميركية بشكل حاد خلال الأشهر الماضية؛ فبعد أن كانت الفجوة تبلغ 15 بالمئة مطلع العام، و9 بالمئة في مايو، وصلت اليوم إلى 3 بالمئة بناءً على معايير القياس المرجعية.
وتجسد هذا الصعود بإطلاق نموذج (DeepSeek V4.1 Flash) في شهر سبتمبر، والذي احتل المركز السادس عالمياً الشهر الماضي على مؤشر “لايف بنش” (LiveBench)، ليصبح النموذج الصيني الأعلى تصنيفاً منذ نجاح نموذج الاستدلال (R1) الصادر عام 2025.
وقد حقق النموذج الصيني 81.1 نقطة، مقترباً بشدة من أفضل نماذج شركة “أنثروبيك” (Anthropic) الأميركية التي سجلت 83.4 نقطة.
ويعتمد مؤشر “لايف بنش” على قياس قدرات الأنظمة في تحليل الأسئلة، وحل المشكلات، وتنفيذ المهام المعقدة بطريقة تحاكي الإدراك البشري. ورغم هذا الاقتراب القوي، ما تزال الهيمنة العددية أميركية، إذ لا يضم تصنيف أفضل 15 نموذجاً عالمياً سوى ثلاثة نماذج صينية فقط.
تحدي القيود وتوطين التكنولوجيا
أثار هذا التطور تساؤلات جوهرية حول جدوى القيود التي تفرضها الولايات المتحدة على تصدير التقنيات المتقدمة، لاسيما رقائق “إنفيديا” (Nvidia). وكانت هذه السياسات تهدف أساساً إلى إبطاء تقدم بكين ومنع كيانات مثل “هواوي” (Huawei) من بناء بدائل محلية منافسة.
غير أن التقرير يؤكد أن الباحثين الصينيين نجحوا في تعميق خبراتهم المحلية وتكييف نماذجهم للعمل بكفاءة عالية على العتاد المتوفر.
وفي هذا السياق، أوضح روبرت ليا، كبير المحللين في “بلومبرغ إنتليجنس”، أن هذا التقدم السريع يلقي بظلال من الشك على استدامة التفوق الأميركي طويل الأمد في قطاع يعد الركيزة الأساسية للإنتاجية الاقتصادية، والتفوق العسكري، والنفوذ الجيوسياسي، وذلك في وقت تسعى فيه شركات أميركية كـ “أوبن إيه آي” (OpenAI) لتبرير تقييماتها السوقية التي قد تلامس تريليونات الدولارات عبر تسويق تفوقها.
معضلة الربحية وازدحام الأسواق
تقف التحديات المالية كعقبة رئيسية أمام الشركات الصينية رغم إنجازاتها البرمجية واستقطابها للمستخدمين بنماذج منخفضة التكلفة.
ويتوقع المحلل روبرت ليا استمرار غياب الربحية عن قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني حتى عام 2030، مرجعاً ذلك إلى احتدام حرب أسعار شرسة وتدني هوامش الربح داخل سوق مزدحمة تتجاوز حاجز الـ 1100 نموذج لغوي كبير.
وعلى صعيد الإيرادات التجارية، تقود شركة “بايت دانس” (ByteDance) المشهد حالياً عبر منصتها “دوباو” (Doubao)، في حين ما تزال روبوتات الدردشة التابعة لشركتي “ديب سيك” و”تينسنت” (Tencent) متاحة للمستخدمين مجاناً.
ويتطلب بناء قطاع ذكاء اصطناعي قادر على تحقيق أرباح مستدامة في الصين تبني سياسات تسعير أكثر عقلانية، وتخفيف الضغوط التنافسية عبر موجة من الاندماجات أو خروج بعض الشركات من السوق.
