في الحروب الكبرى جرت العادة أن تُحدَّد ساعة الصفر بحسابات الميدان: حالة الطقس، وجاهزية القوات، ونقاط ضعف الخصم. أما الحرب على إيران، التي تدخل شهرها الثامن، فتبدو ساعتها مضبوطة على تاريخ آخر تمامًا: الثالث من نوفمبر، يوم الانتخابات النصفية الأمريكية.
فبحسب ما نشره موقع “أكسيوس” نقلًا عن مسؤولين أمريكيين، أبلغت وزارة الدفاع القيادة المركزية قبل أيام بأن تُتمّ استعداداتها لاستئناف العمليات القتالية الكبرى ضد إيران، من دون تحديد موعد للضربات، ومن دون أن يتخذ الرئيس دونالد ترامب قراره النهائي. وفي الاتجاه نفسه، أفادت مجلة “ذا أتلانتيك”، وفق ما نقلته “إيران إنترناشونال”، بأن البيت الأبيض طلب من البنتاغون خيارات لضربات يمكن تنفيذها قبل الانتخابات، إلى جانب خيارات أخرى لما بعدها تمتد من ضربات محدودة إلى هجمات واسعة قد تطال قطاع الطاقة الإيراني.
الرئيس نفسه لم يُخفِ الربط بين التوقيتين؛ إذ قال الأسبوع الماضي إنه يتوقع حسم الحرب بعد الانتخابات مباشرة، مضيفًا: “ربما قبل الانتخابات”. وهنا تكمن المفارقة: حرب بدأت باسم الأمن القومي، يُناقَش فصلها التالي بلغة استطلاعات الرأي وأسعار الوقود في محطات البنزين.
لنتذكر السياق. اندلعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، وردّت طهران بإغلاق فعلي لمضيق هرمز، الذي كان يمرّ عبره نحو خُمس إمدادات العالم من النفط الخام والغاز المسال. وفي منتصف أبريل فرضت واشنطن حصارًا بحريًا على الموانئ الإيرانية، ثم أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو في مايو انتهاء عملية “الغضب الملحمي” لأن أهدافها تحققت، كما نقلت الجزيرة.
لكن “انتهاء العملية” لم يعنِ انتهاء الحرب. فالمضيق لا يزال ساحة اشتباك، والمفاوضات غير المباشرة عبر الوسطاء القطريين لم تُثمر. طهران تتحدث عن سبعة شروط لإعادة فتح المضيق رسميًا، وتعدّ الاعتراف بحقها في التخصيب خطًا أحمر، بينما يطالب نائب الرئيس جي دي فانس بتقليص فعلي لقدرات التخصيب، ويؤكد أن واشنطن لن تقايض الأفعال بالكلمات. وبين الموقفين، تبدو الهوّة أوسع من أن يردمها وسيط مهما بلغت مهارته.
بعيدًا عن البيانات المتبادلة، تروي الأرقام قصة أوضح. فقد نقلت الجزيرة عن رئيس “أرامكو” السعودية أمين الناصر قوله إن ما يقارب ثلاثة مليارات برميل من الإمدادات فُقدت منذ اندلاع الصراع، وإن إعادة بناء المخزونات قد تستغرق عامين حتى بعد إعادة فتح المضيق. وكان سعر خام برنت يدور حول 72 دولارًا قبل الحرب، ثم كان يتداول يوم السادس من أكتوبر قرب 99.6 دولارًا للبرميل.
صحيح أن صادرات الخليج تعافت جزئيًا؛ إذ تشير بيانات “كبلر” إلى أن تدفقات النفط الخليجية، باستثناء إيران، تجاوزت 81 في المئة من مستوياتها قبل الحرب خلال سبتمبر، وأن نحو 40 في المئة من الصادرات باتت تلتف على هرمز عبر خطوط بديلة. غير أن هذا التعافي هشّ بطبيعته: فقد سُجّلت سبع حوادث على الأقل ضد ناقلات في أسبوع واحد مطلع أكتوبر، ورصدت “كبلر” عبور خمس سفن سلعية فقط يوم السبت الماضي ولا شيء يوم الأحد، مقابل 31 سفينة في عطلة الأسبوع السابقة. وحتى مجموعة السبع اضطرت الأسبوع الماضي إلى الإعلان عن سحب ما يصل إلى 100 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية لكبح الأسعار.
السؤال الجوهري ليس: هل تستطيع واشنطن أن تضرب؟ فالقدرة العسكرية الأمريكية ليست موضع شك. السؤال هو: ماذا ستحقق الضربة؟ واللافت أن الإجابة تأتي من داخل الإدارة نفسها؛ فوفق تقرير “ذا أتلانتيك”، يقرّ أنصار الضربات المحدودة بأنها وحدها لن تعيد إيران إلى طاولة التفاوض، ولن تعيد الملاحة الآمنة إلى هرمز، ولن تخفض أسعار البنزين قبل يوم الاقتراع.
إذن، ما الغاية؟ الأرجح أنها “صورة الإنجاز”: مشهد يُقدَّم للناخب الأمريكي بوصفه دليلًا على الحزم. وهذا بالضبط ما يجعل اللحظة خطرة. فالحرب التي تُخاض من أجل الصورة لا تنتهي حين تُلتقط الصورة، بل حين يقرر الطرف الآخر أن يرد. والمسؤولون الإسرائيليون أنفسهم، بحسب “أكسيوس”، يصفون إيران بأنها يائسة ومرتابة وقد تبادر بالضربة الأولى، وأنها في حال استئناف الحرب سترد على الأرجح بمئات الصواريخ الباليستية. ويزيد المشهد تعقيدًا أن الانتخابات الإسرائيلية تسبق الأمريكية بأسبوع، أي أن عاصمتين تتحركان على إيقاع صناديق الاقتراع في آن واحد.
وثمة حقيقة يعرفها كل من درس تاريخ المنطقة: أنظمة الحصار الطويل لا تنهار عادة بضربة إضافية، بل كثيرًا ما تجد في القصف الخارجي ما يعيد شدّ صفوفها الداخلية. لقد جُرّبت هذه المعادلة مرتين خلال عام ونصف، والنتيجة مضيق مغلق ومفاوضات معلقة.
بالنسبة إلى دول الخليج، هذه ليست حربًا تُتابَع من بعيد. فالموانئ والمنشآت الخليجية طالتها النيران في جولات سابقة، والحوثيون صعّدوا هذا الأسبوع هجماتهم على مطارات سعودية، وخطوط الأنابيب البديلة تعرضت لتوقفات مؤقتة بفعل هجمات بالمسيّرات. وكل يوم يبقى فيه المضيق رهينة هو يوم يُستنزف فيه اقتصاد الإقليم واستقراره.
ومن هنا، فإن المصلحة الخليجية الحقيقية ليست في “جولة ثالثة” تُحسم فيها حسابات انتخابية في واشنطن وتل أبيب، بل في تسوية تفتح المضيق بشكل دائم وغير مشروط، كما يقول المحللون، وتضع حدًا لمنطق الابتزاز الملاحي الذي تمارسه طهران. وقد أثبتت دول المنطقة، عبر الوساطة والدبلوماسية الخليجية النشطة وبناء طرق التصدير البديلة، أنها تملك أدوات للصمود والتأثير. والمطلوب اليوم أن يُسمع صوتها بوضوح في واشنطن: أمن الطاقة العالمي ليس ورقة في حملة انتخابية.
إن أخطر ما في الحروب ليس أن تبدأ، بل أن تُدار بتوقيت لا علاقة له بأهدافها. فحين تُضبط ساعة الصواريخ على مواعيد الصناديق، يصبح السؤال: من يحسب الكلفة بعد أن تُغلق مراكز الاقتراع؟ الناخب الأمريكي سيصوّت مرة واحدة في نوفمبر، أما شعوب المنطقة فستعيش مع النتائج سنوات.
