حين تمنح أوسلو جائزتها لحارسة العدالة الدولية، فهي لا تكرّم امرأة بقدر ما تدقّ جرس إنذار لعالمٍ يستبدل المحاكم بالقوة
مفارقة الأسبوع
في أقل من أربع وعشرين ساعة، حملت الأخبار مشهدين متجاورين يصلحان معًا عنوانًا لعصرنا. يوم الخميس الثامن من أكتوبر، قرر قضاة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي أن الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي لائق ذهنيًا للمثول أمامهم، وأن محاكمته بتهم جرائم ضد الإنسانية في حربه على المخدرات ستبدأ في الثلاثين من نوفمبر. وصباح الجمعة، أعلنت لجنة نوبل النرويجية في أوسلو منح جائزة السلام لعام 2026 للقاضية الجنوب أفريقية نافانيثيم “نافي” بيلاي، ابنة الخامسة والثمانين، تقديرًا لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي.
لكن خلف المشهدين صورة ثالثة أقل بريقًا: قضاة في المحكمة ذاتها يعيشون تحت عقوبات أمريكية، بعضهم فقد بطاقاته المصرفية وحساباته الرقمية، لأنهم أدّوا عملهم. هنا تحديدًا تكمن رسالة الجائزة: نحن لا نحتفي بالعدالة الدولية لأنها منتصرة، بل لأنها محاصرة.
سيرة تختصر نصف قرن من النضال القانوني
ليست بيلاي اسمًا عابرًا. في عام 1967 صارت أول امرأة تفتتح مكتب محاماة في إقليم ناتال الجنوب أفريقي، ودافعت عن نيلسون مانديلا ورفاقه في سنوات الفصل العنصري، ثم أصبحت أول امرأة ملوّنة تجلس على منصة المحكمة العليا في بلادها. ومن هناك انتقلت إلى المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، حيث شاركت في حكم تاريخي صدر في الثاني من سبتمبر 1998 ضد جان بول أكاييسو، عُرّف فيه الاغتصاب للمرة الأولى في القانون الجنائي الدولي وسيلةً لارتكاب الإبادة الجماعية. يومها قالت إن المحكمة أرادت إبلاغ العالم بأن “الاغتصاب لم يعد غنيمة حرب”.
بعدها عملت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية بين 2003 و2008، ثم استقالت لتتولى منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وترأست لاحقًا لجنة التحقيق الأممية بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة، التي خلصت العام الماضي إلى أن ما جرى في غزة يرقى إلى إبادة جماعية، وهو تقرير وصفته إسرائيل بالفاضح. وهي اليوم قاضية خاصة في محكمة العدل الدولية في قضية غامبيا ضد ميانمار بشأن مسلمي الروهينغا.
لماذا الآن؟
لم تُخفِ اللجنة دوافعها. فقد قال رئيسها يورغن واتنه فريدنس إن الجائزة رسالة واضحة إلى من يقوّضون النظام الدولي ومؤسساته، وإن منظومة القانون الدولي تتعرض لضغط هائل. ووصف القضاة بأنهم حرّاس الخط الأحمر الرفيع الفاصل بين النظام والفوضى. وذهب بيان اللجنة أبعد من ذلك حين اعتبر أن القانون الدولي لم يعد مكمّلًا للسلام والأمن، بل ضرورة مطلقة.
والسياق يشرح الكلام. ففي فبراير 2025 أصدر الرئيس دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا فتح الباب لمعاقبة مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، وفي يونيو من العام نفسه طالت العقوبات أربع قاضيات، شاركت اثنتان منهن في الإجراءات التي أفضت إلى مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والأخريان في الإذن بالتحقيق في جرائم حرب منسوبة لقوات أمريكية في أفغانستان. ثم اتسعت الدائرة، حتى شملت في أغسطس الماضي رئيسة المحكمة نفسها، اليابانية توموكو أكاني. محكمةٌ تمثل 125 دولة طرفًا، تجد قضاتها ممنوعين من دخول أكبر دولة في العالم.
في المقابل، جاء الرد الإسرائيلي حادًا، إذ اعتبرت الخارجية الإسرائيلية الجائزة توظيفًا فجًّا لها لإضفاء الشرعية على العداء لإسرائيل. ولعل اللجنة استبقت هذا حين أوضح رئيسها أنها لا تفصل في مسألة الإبادة في غزة، فذلك اختصاص محكمة العدل الدولية. والفرق هنا جوهري: الجائزة تكرّم المنهج القضائي، لا حكمًا بعينه.
عالم يكتب قوانينه بالقوة
المشكلة أعمق من خلاف بين واشنطن ولاهاي. نحن أمام تحوّل في مزاج النظام الدولي كله، من منطق القواعد إلى منطق الصفقات. حروب تُشن وتُعلَّق على إيقاع الانتخابات، وممرات بحرية تتحول إلى أوراق مساومة، ومؤسسات بُنيت على أنقاض الحرب العالمية الثانية تُعامل كأنها عبء على السيادة لا ضمانة لها.
وقد التقط الباحث أشوك سواين من جامعة أوبسالا جوهر المأزق حين قال إن القانون الدولي لم يكن كاملًا يومًا، لكنه بات اليوم نصًا يفسّره كل طرف على هواه. وهذا أخطر من غياب القانون؛ فالقانون الذي يُقرأ انتقائيًا يفقد قدرته على الردع، ويصبح سلاحًا في يد الأقوى بدل أن يكون درعًا للأضعف.
ومن المفارقات المريرة أن بيلاي نفسها تلقت الخبر بسخرية القاضي المتحفظ، متسائلة لماذا يحتاج قول الحقيقة إلى شجاعة. وهو سؤال يصلح لافتةً لزمن صار فيه أداء الواجب المهني مغامرةً تستحق العقاب أو الجائزة.
ما الذي يعنيه ذلك لمنطقتنا؟
قد يبدو النقاش بعيدًا عن الخليج، لكنه في صميمه. فالدول المتوسطة والصغيرة، مهما بلغت قوتها الاقتصادية، هي المستفيد الأول من عالم تحكمه القواعد. أمن الملاحة في هرمز وباب المندب، وحماية الاستثمارات العابرة للحدود، وتسوية النزاعات الحدودية والبحرية، كلها تستند في النهاية إلى منظومة قانونية يحترمها الجميع، أو يُفترض أن يحترموها.
وحين تُضرب سفن في مياه الخليج بمقذوفات مجهولة، وتُستهدف مطارات مدنية في المنطقة، يصبح السؤال عمليًا لا نظريًا: من يحاسب، وبأي معيار؟ إن عالمًا بلا قضاة مستقلين هو عالم تُسوّى فيه الحسابات بالصواريخ، ولا مصلحة لعاصمة عربية واحدة في ذلك. ولهذا فإن الدفاع عن استقلال المؤسسات القضائية الدولية ليس انحيازًا لطرف، بل استثمار في الاستقرار.
الخيط الرفيع
لن توقف الجائزة حربًا، ولن ترفع عقوبة عن قاضٍ في لاهاي. لكن قيمتها أنها تذكّر العالم بأن البديل عن المحكمة ليس الحرية، بل الغابة. لقد قضت نافي بيلاي ستة عقود تدافع عن فكرة بسيطة: أن لا أحد فوق القانون، لا رئيس ولا جنرال ولا دولة عظمى.
في العاشر من ديسمبر ستتسلم القاضية العجوز ميداليتها في أوسلو. وسيكون المشهد، على رمزيته، أشبه بمرافعة ختامية في قضية لم يُحسم حكمها بعد: هل يبقى للعالم قانون، أم تكتفي القوة بأن تكتب الأحكام وتنفذها معًا؟
