عثر فريق بحث دولي على حطام السفينة اليابانية “هوفوكو مارو” بعد 80 عاماً من غرقها المأساوي، ليضع نهاية لرحلة بحث طويلة لعائلات أكثر من ألف أسير حرب قضوا في أعماق المحيط.
وبقي الحطام طي الكتمان طوال ثمانية عقود بسبب سجلات ما بعد الحرب المجتزأة وتقارير الهجوم التي قدمت إحداثيات تقريبية فقط، اختلفت معها شهادات الناجين في تفاصيل أساسية.
وجاء التحول الجذري في عام 2025 عندما عثر الباحث جون دوريسكي، المتعاون مع مؤسسة “هيل شيبس” التذكارية، على وثيقة يابانية رقمية لم يدرسها أحد بعناية من قبل، صاغها ضباط على متن السفينة الرئيسية للقافلة وضمت تسلسلاً زمنياً وخريطة للهجوم أوضحت أن “هوفوكو مارو” كانت السفينة الثانية في التشكيل عند إصابتها.
وبمقارنة تلك المعطيات مع تقرير العمليات الخاص بحاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس بانكر هيل”، توصل الفريق إلى أن الحطام يقع على بعد أكثر من 50 كيلومتراً جنوب المنطقة التي بحث فيها المؤرخون سابقاً، وهو ما وصفه راندي أندرسون، مؤسس المؤسسة، بالدليل القاطع الذي أدهشهم بمصادره اليابانية الدقيقة.

نشر الفريق واكتشاف الحطام
ونشر الفريق، الذي ضم مستكشف التلفزيون جوش غيتس وأخصائي التصوير تحت الماء إيفان كوفاتس وعالم الآثار البحرية كالفن مايرز، معدات سونار قبالة سواحل مقاطعة زامباليس بناءً على الإحداثيات الجديدة، ليعثر على الحطام على عمق نحو 50 متراً وعلى بعد بضعة كيلومترات من الساحل الغربي للوزون.
وأجريت خمس غطسات تقنية عميقة كشفت عن أجزاء من الموقع مغطاة برماد بركان بيناتوبو الذي ثار عام 1991، وتمكن الفريق من التقاط مئات الصور وبناء نموذج فوتوغرامتري ثلاثي الأبعاد تطابقت أبعاده ومواضع صواريه وترتيب عنابره مع المخططات الأصلية لحوض بناء السفن.
وظهر الحطام مقسماً إلى قسمين أو ثلاث قطع حسب بعض أعضاء الفريق، بما يتوافق مع الروايات الأمريكية واليابانية حول طريقة غرقه، وعُثر أثناء الغطسات على رفات بشرية بين الأنقاض مما يجعل الموقع قبراً حربياً تحميه اتفاقيات دولية، لذا لم تُعلن الإحداثيات الدقيقة حفاظاً عليه.

تفاصيل المأساة وهجوم قاتل
وكانت السفينة تبحر في 21 سبتمبر 1944 كثاني سفينة في قافلة قبالة الساحل الغربي لجزيرة لوزون، وعلى متنها 1,289 أسير حرب بريطاني وهولندي منهكين من العمل في مشروع “سكة حديد الموت” بين بورما وتايلاند.
وعانى الأسرى داخل العنابر من ظروف لا إنسانية شملت انعدام الضوء والتهوية والمرافق الصحية، مع حصص غذاء وماء بالكاد تكفي للبقاء، ودون أي إشارة خارجية تدل على طبيعة حمولتها البشرية.
واستهدفت طائرات من القوة الضاربة 38 التابعة للبحرية الأمريكية القافلة معتقدة أنها هدف عسكري مشروع، وأصاب طوربيد واحد هيكل السفينة مما تسبب في انشطارها إلى قسمين وغرقها في أقل من ثلاث دقائق. بقي نحو 1,000 أسير عالقين في الأعماق، بينما أعادت القوات اليابانية أسر من تمكنوا من السباحة حتى الساحل، ليبلغ عدد القتلى الإجمالي 1,047 شخصاً.

تكريم الضحايا وإغلاق ملف الألم
وأعلنت هولندا عزمها العمل مع دول أخرى لإيجاد طريقة لتكريم الضحايا، بينما بدأت مؤسسة “هيل شيبس” التذكارية اتصالات للعثور على عائلات القتلى البالغ عددهم أكثر من ألف شخص.
و لا يزال هناك خمسة حطام لسفن “الجحيم” -الاسم الذي أطلقه المعتقلون على السفن التي نقلتهم- لم يُعثر عليها حتى الآن من أصل أكثر من 130 سفينة استخدمتها الإمبراطورية اليابانية لنقل نحو 125,000 أسير توفي منهم 20,000 خلال الرحلات.
ويشكل اكتشاف “هوفوكو مارو” خطوة حاسمة لا تطوي الصفحة بالكامل، لكنها تتيح للعائلات معرفة مكان رقاد أسلافهم والاطمئنان إلى أنهم يرقدون بسلام بعد 80 عاماً من المأساة.
