تُعد قصة صعود منصة “نون” (Noon) واحدة من أبرز نماذج التحول الرقمي الناجحة في المنطقة العربية، حيث تحولت من مجرد فكرة طموحة إلى منافس شرسي للعمالقة العالميين مثل أمازون وعلي بابا.
لم يأتِ هذا النجاح بين ليلة وضحاها، بل كان نتاج تخطيط استراتيجي دقيق، وصبر، وتعلم مستمر من تجارب السابقين، مما يجعلها مصدر إلهام حقيقي لكل رائد أعمال يطمح لبناء مشروع رقمي ناجح في عالمنا العربي.
لطالما نظر البعض إلى فكرة إنشاء منصة تجارة إلكترونية تضاهي عمالقة مثل “أمازون” و”علي بابا” و”سوق.كوم” على أنها حلم مستحيل التحقيق. لكن المؤسس محمد العبار تحدى هذه النظرة التقليدية، مؤمناً بأن العقل العربي قادر على الابتكار والمنافسة العالمية.
هدفه لم يكن مجرد إنشاء موقع آخر، بل بناء علامة تجارية تصل إلى الملايين، وتلبي احتياجات السوق المحلي بدقة، وتثبت أن المنطقة قادرة على إنتاج منصات رقمية ذات ثقل عالمي.

تاريخ عريق ومؤسس صاحب رؤية
لا يمكن فصل نجاح “نون” عن مسيرة مؤسسها محمد العبار، أحد أبرز رجال الأعمال في الشرق الأوسط، الذي احتل المركز الثاني في قائمة أقوى 100 شخصية عربية عام 2009 حسب مجلة “أراب بيزنس”. ولد العبار في دبي عام 1956 لعائلة مكونة من اثني عشر طفلاً، وكان والده قبطاناً بحرياً.
حصل على منحة حكومية في السبعينيات لدراسة التمويل وإدارة الأعمال في جامعة سياتل الأمريكية، وتخرج عام 1981، ليحصل لاحقاً على الدكتوراه الفخرية في العلوم الإنسانية.
امتدت إنجازات العبار لتشمل تأسيس “مهرجان دبي للتسوق”، وتوليه منصب المدير العام المؤسس لدائرة التنمية الاقتصادية في دبي، حيث أقام علاقة وثيقة مع الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وأصبح من أهم مستشاريه الاقتصاديين. قبل “نون”، أسس شركة “إعمار العقارية” الشهيرة، مما منحته الخبرة اللازمة لإدارة مشاريع ضخمة ومعقدة.
خطوات تدريجية وبناء متأنٍ
ولم تنبثق فكرة “نون” فجأة، بل كانت ثمرة عمل جاد بدأ منذ سنوات. في عام 2012، أسس محمد العبار مجموعة “مؤسسات العبار” (AlAbbar Enterprises) كمجموعة قابضة تديرها هو وأبناؤه الثلاثة: رشيد، سلامة، وموزا. ركز الأبناء على قطاعات محددة؛ حيث تولت موزا إدارة المطاعم والمجالات الأخرى، بينما انصب تركيز رشيد وسلامة على الملابس والتجارة الإلكترونية.
بدأت الرحلة الرقمية فعلياً بتسجيل موقع “BySymphony.com” في مارس 2012 لبيع منتجات بوتيك “سينفوني” للملابس الراقية الذي أسسته سلامة في مول دبي عام 2010، والذي أطلق الموقع فعلياً في أواخر 2013.
وفي الخطوة التالية، قرر الإخوة، بقيادة رشيد، التوسع نحو سوق الماركات متوسطة السعر، فسجلوا موقع “سيفي” (Sivvi.com) في أغسطس 2013 وأطلقوه في بداية 2014.
ورغم بطء النمو في البداية، إلا أن إطلاق تطبيق خاص وفتح السوق السعودي في ديسمبر 2015 حقق نمواً ممتازاً، ممهداً الطريق للمشروع الأكبر.
الإعداد السري ومشروع “نيكست“
في أغسطس 2015، عين محمد العبار فضيل بن ترقوة، الذي كان يشغل منصب المدير العام لفرع “سوق.كوم” في السعودية، مديراً تنفيذياً للمشروع الجديد الذي حمل الاسم الحركي “مشروع نيكست” (Project Next).
وكانت هذه الخطوة استراتيجية بامتياز، حيث جلبت خبرة عميقة من أكبر منافس محلي في ذلك الوقت.
وتوالت الخطوات الاستباقية لتعزيز البنية التحتية؛ ففي أبريل 2016، استثمرت “مؤسسات العبار” 117 مليون دولار للحصول على 4% من شركة “يوكس” الإيطالية (YNAP)، وهي اتحاد بين موقعي “Net-a-porter” و”Yoox” الأوروبيين للملابس الراقية، بهدف جلب هذه العلامات التجارية الفاخرة إلى العالم العربي.
وفي يوليو 2016، عزز العبار قدراته اللوجستية بشراء أسهم فادي غندور في شركة “أرامكس” مقابل 142 مليون دولار، ليرفع حصته في شركة الشحن الرائدة إلى 16.45%، مما ضمن تحكماً أكبر في سلسلة التوريد والتوصيل.
لحظة الإلهام والتحول الرقمي
وكانت المحاضرة الشهيرة التي ألقاها محمد العبار بعنوان “التحول الرقمي العربي.. أين موقعنا؟” في مجلس الشيخ محمد بن زايد في 27 يونيو 2016، نقطة تحول مفصلية.
واستهل العبار حديثه بقصة مؤثرة عن ابن أخيه ذي التسعة أعوام، الذي ذكر أن الأشياء التي لا يستطيع العيش بدونها هي الهواء والماء والإنترنت (الواي فاي)، مشيراً إلى أن الطعام والتواصل الاجتماعي أصبحا يعتمدان كلياً على الشبكة العنكبوتية.
واستغل العبار هذه القصة لتسليط الضوء على قصور الاستثمار العربي في الإنترنت، مشيراً إلى أن أكثر المواقع زيارة في المنطقة لا تدعم اللغة العربية. كانت هذه المحاضرة بمثابة تمهيد ذكي لجذب المستثمرين، حيث انضم حوالي 60 شريكاً للمشروع، معظمهم بعد هذه الجلسة التي عرضت الرؤية بوضوح وجاذبية دون الكشف عن التفاصيل الدقيقة حينها.
من “Fast Fish” إلى “نون”: الولادة الرسمية
وقبل الإعلان الرسمي، استخدم الفريق أسماء حركية مثل “Fast Fish” في حملات التوظيف التسويقية، وأنشأوا موقعاً مؤقتاً بهذا الاسم. لكن الاتفاق النهائي على اسم “نون” تم في يناير 2016، حيث سجلت شركات تحمل الاسم في الإمارات ودبي المالية (DIFC) في مايو 2016.
والجدير بالذكر أن نطاق “noon.com” مسجل منذ 1992، لكن العبار بدأ استخدامه فعلياً أو اشتراه في يناير 2016، كما يتضح من تغييرات كبيرة في الخوادم وتركيب خدمات Google Apps.
وانطلقت الحملة التسويقية الرسمية في 13 نوفمبر 2016، بحضور محمد العبار وابنه رشيد، كاشفين الستار عن المنصة التي وصفها العبار بأنها “علي بابا الشرق الأوسط”.
وجاءت “نون” كشراكة استراتيجية بين مجموعة العبار وصندوق الاستثمارات العامة السعودي ونخبة من المستثمرين الخليجيين، باستثمار أولي بلغ مليار دولار أمريكي.
فلسفة “نون”: العميل أولاً والتقنية في القلب
ولم تكن “نون” مجرد استجابة لمتطلبات السوق التقليدية، بل جاءت وليدة رؤية عميقة تتطلع إلى تلبية طموحات العملاء نحو أعلى مستويات المرونة والجودة والتميز في الخدمة.
وتأسست المنصة ككيان مبتكر يضع العميل في صلب اهتماماته، مصممة لتوفير خيارات متكاملة وشاملة تضم منتجات من كافة الفئات، لتكون جميع هذه المزايا في متناول يد المستخدم بسهولة فائقة عبر موقعها الإلكتروني وتطبيقها المخصص للأجهزة المحمولة.
وما يميز “نون” عن غيرها هو اعتمادها على منظومة تقنية ولوجستية تم تطويرها خصيصاً لدعم هذه الرؤية.
فالمنصة لا تعتمد على حلول جاهزة فحسب، بل بنت بنية تحتية متكاملة تشمل بوابة دفع إلكتروني مبتكرة وآمنة صُممت لضمان سلاسة المعاملات، وأسطول توصيل مخصص من المركبات المملوكة للمنصة لضمان سرعة الشحن، بالإضافة إلى مراكز تجهيز وتنفيذ متطورة تدير دورة حياة الطلب بكفاءة.
وبفضل هذه التقنيات المملوكة، تضمن “نون” تنوعاً هائلاً في خيارات المنتجات، مع الالتزام بتوصيلها بأعلى معايير الأمان والكفاءة، مما يعزز ثقة الملايين من المستخدمين في المنطقة.
الانتشار الجغرافي: من الخليج إلى دمشق
ركزت منصة “نون” عملياتها التشغيلية المباشرة لسنوات في ثلاث دول عربية كبرى تمتلك فيها بنية تحتية لوجستية متكاملة ومستودعات محلية: المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، ومصر.
كما وسعت نطاق وصولها عبر خدمات الشحن الدولي لتشمل دولاً أخرى في منطقة الخليج والأردن.
غير أن الخريطة الجغرافية للمنصة شهدت تطوراً نوعياً وجديداً، عندما أعلن محمد العبار في 16 مايو الجاري، خلال زيارة قام بها إلى سوريا ضمن وفد إماراتي رفيع المستوى ضم رجال أعمال وممثلين عن شركات كبرى، عن افتتاح أول مكتب رسمي لشركة “نون” في العاصمة دمشق.
وفي تسجيل مصور نشره عبر حساباته الرسمية، علل العبار هذه الخطوة الجريئة بـ “الكفاءة العالية” التي أظهرتها الكوادر السورية في مجالات التكنولوجيا والخدمات الرقمية، مؤكداً قدرة فرق العمل السورية على تقديم حلول تنافس عالمياً.
واعتبر العبار أن السوق السورية تمتلك فرصاً واعدة مدعومة بطاقات شبابية وخبرات تقنية مؤهلة، داعياً الشركات الإقليمية والدولية إلى الاقتداء بهذه الخطوة والاستثمار في سوريا وافتتاح مكاتب لها داخل البلاد.
ويُعد هذا الافتتاح إشارة واضحة لبداية مرحلة جديدة من التوسع قد تمهد لدخول الخدمات التشغيلية الكاملة للمنصة إلى السوق السوري مستقبلاً.

درس في النجاح المستمر
وتقدم قصة “نون” دليلاً قاطعًا على أن النجاح لا يتطلب بالضرورة اختراع فكرة جديدة كليًا، بل يمكن أن ينبع من تطوير أفكار موجودة مسبقًا وتنفيذها بجودة وكفاءة أعلى.
وبدأت المنصة بخطوات صغيرة وتجارب سابقة مثل “سيفي” و”سينفوني”، واستفادت من الشراكات الاستراتيجية والاستثمارات الذكية في البنية التحتية واللوجستيات، لتصل اليوم إلى مرحلة فتح آفاق جديدة في أسواق كانت تُعتبر صعبة.
اليوم، تقف “نون” كعملاق تجاري إقليمي يقود التحول الرقمي في قطاع التجزئة بالعالم العربي، مقدمة بديلاً محليًا قويًا يفهم الذوق العربي ويدعم اللغة والثقافة المحلية.
وتذكرنا قصتها بأن الصبر، والتعلم المستمر، والتخطيط المدروس، هي المفاتيح الحقيقية لتحويل الأحلام الكبيرة إلى واقع ملموس، مهما بدا الطريق صعبًا في البداية.
