تحولت نقطة وهمية في خليج غينيا بالمحيط الأطلسي إلى واحدة من أكثر الوجهات السياحية غرابة في العالم، حيث بدأت سفن سياحية فاخرة بإدراج “جزيرة نول” ضمن مسارات رحلاتها العالمية.
هذه الجزيرة التي لا وجود لها على أي خريطة حقيقية، تقع عند الإحداثيات 0 درجة خط عرض و0 درجة خط طول، أي النقطة التي يلتقي فيها خط الاستواء مع خط غرينتش على بعد 612 كيلومتراً من ساحل غرب أفريقيا.
وفي صباح مشرق من أبريل الماضي، كان الزوجان راسل وغايل لي على متن رحلة “فايكينغ” البحرية يقتربان من هذه الإحداثيات، حيث تجمع الركاب في مقدمة السفينة وهم يحدقون في هواتفهم ويعدون تنازلياً: 0.01، 0.005، 0.0001. تقول غايل لـCNN: “كنا جميعاً نقارن بين الهواتف.
ومن يلتقط صورة سيلفي أقرب إلى الإحداثيات 0,0 يحصل على حق التفاخر”. لكن المشهد أمامهم لم يكن سوى محيط مفتوح في كل اتجاه.

خطأ تقني عمره 17 عاماً تحول إلى أسطورة سياحية
ظهر اسم “جزيرة نول” داخل مجتمع نظم المعلومات الجغرافية قرابة عام 2008، نتيجة خطأ تقني متكرر: البيانات غير المكتملة أو المفقودة تسجل افتراضياً على أنها “Null” أو صفر.
وهذان الصفران، 0 درجة خط عرض و0 درجة خط طول، يشيران إلى نقطة نائية في المحيط الأطلسي، حيث تجمعت جميع البيانات غير المحددة من مسارات الجري على Strava وقوائم Airbnb إلى الفنادق وتقارير الجرائم.
يشرح مايك ميغورسكي، اختصاصي البيانات الجغرافية، لـCNN: “أحد أكثر الأخطاء شيوعاً هو أن ينسى الشخص إدخال الموقع أساساً”.
وفي 2010، ساعد ميغورسكي في منح الجزيرة هوية بصرية مستلهماً من لعبة الفيديو “Myst”، فأضاف شكلاً صغيراً لجزيرة عند النقطة 0,0.
وانتشرت الصورة في عالم الخرائط وظهرت على قمصان الشركات، قبل أن يقرر المطور ستيف بيليغرين المضي بالمزحة إلى أبعد مدى، منشئاً موقعاً ساخراً يتخيل الجزيرة كوجهة سياحية حقيقية لها علمها وتاريخها واقتصادها الخاص، وعدد سكان يبلغ 4000 نسمة يتحدثون لغة “Nullish”.
“لا شيء سوى البحر المفتوح”
بدأت شركات الرحلات البحرية فعلياً بالمرور عبر هذه النقطة. أعلنت إحداها عن خطط لإدراج جزيرة نول كمحطة ضمن رحلتها حول العالم في 2028، بعد توقف سابق هناك خلال 2024.
أما شركة “فايكينغ”، فمرت سفنها بالإحداثيات نفسها خلال 2024 و2025. ويقول راسل لي: “لا يوجد هناك أي شيء فعلياً. لا شيء سوى البحر المفتوح. لكنك تصبح واحداً من قلة قليلة جداً من البشر الذين زاروا هذا المكان، وهذا بحد ذاته أمر مميز للغاية”.
ويحصل الركاب عادة على شهادة تذكارية لإحياء ذكرى “زيارتهم” للجزيرة الوهمية. وعندما واجه ركاب السفينة مساحة شاسعة من البحر بلا أي شيء يُرى، ملأ راسل الفراغ بقصص عن أماكن خيالية أخرى مثل مدينة أتلانتس المفقودة.
تقول غايل: “زيارة النقطة 0,0 وجزيرة نول أمر كبير، يشبه عبور الدائرة القطبية أو خط الاستواء. إنه مكان خيالي آخر يمكنك القول إنك زرته”.
“قسم للمفقودات الرقمية”.. وعواقب حقيقية لخطأ افتراضي
بدأ ليفينتي يوهاز، أستاذ مساعد في التحليلات الجغرافية بجامعة فلوريدا، بدراسة الظاهرة بجدية، مكتشفاً مع زميله بيتر موني “كل شيء، من صور موضوعة في المكان الخطأ إلى شركات وهمية مرتبطة بالإحداثيات نفسها، وكأنها قسم للمفقودات الرقمية”.
ويحذر يوهاز من أن العواقب لم تكن دائماً بسيطة: “تخيل خدمات الطوارئ. ماذا سيحدث لو حاول مركز الإرسال توجيه سيارة إطفاء إلى وسط المحيط؟ سنفقد وقتاً ثميناً”.
ويضيف: “الناس يثقون بالخرائط بطبيعتهم. بمجرد وضع مكان على الخريطة، يصبح حقيقياً في نظر الكثيرين”. أما الزوجان لي، وهما من المسافرين المخضرمين الذين يقضون معظم حياتهم في البحر، فيريان أن هذا المزيج من الغموض والفضول الجغرافي كان جزءاً كبيراً من سحر التجربة.
ويضيف راسل: “كنا متحمسين للغاية. لم نتخيل يوماً أننا سنفعل ذلك. وبالنسبة للكثير منا، كانت واحدة من أبرز لحظات الرحلة”.
