قفزت أسعار الطاقة بشكل حاد منذ 28 فبراير الماضي مع تحول الشرق الأوسط إلى ساحة مواجهة عسكرية امتدت تداعياتها إلى الاقتصاد العالمي، إذ يبرز مضيق هرمز كخنجر في خاصرة أمن الطاقة الدولي، مما قذف الشعوب في موجة تقنين وتقشف.
اقتصادات ثلاثية تحت المجهر
وفي قلب الأزمة يقف الأردن ولبنان والأراضي الفلسطينية، وفقاً لخبير الطاقة هاشم عقل، الذي أوضح لـ”يورونيوز” أن هذه الاقتصادات تعتمد كلياً على استيراد موارد الطاقة وتعجز عن كبح جماح التضخم المستورد، فبمجرد اهتزاز الأسعار عالمياً تنعكس الآثار فوراً على تكاليف المعيشة والإنتاج محلياً.
الأردن الذي يغطي بالاستيراد ما بين 74 و84 بالمئة من احتياجاته الطاقية، شهد حتى عام 2024 اعتماداً على الغاز الطبيعي المستورد كركيزة أساسية لتوليد الكهرباء.
ومع تصعيد عام 2026، سجلت أسعار المشتقات النفطية خلال مارس الماضي زيادات بنحو 14 بالمئة للبنزين و17 بالمئة للديزل، مما عمق عجز شركة الكهرباء الوطنية ورفع كلفة النقل والإنتاج.
أما لبنان فتعقيد الأزمة فيه يزداد بسبب هشاشة اقتصادية مستوطنة، حيث بلغت فاتورة استيراد النفط نحو 4.1 مليار دولار في عام 2024، أي ما يعادل ربع إجمالي الواردات في بلد يعاني أصلاً من انهيار مالي.
ويعتمد لبنان بشكل كبير على الوقود الثقيل والديزل لتشغيل محطات الكهرباء والمولدات الخاصة، وفي غياب بنية تحتية مستقرة للطاقة تتحول كل زيادة إلى عبء مباشر على المواطنين، رغم بعض المبادرات المحدودة في الطاقة الشمسية التي لا تزال غير كافية لإحداث تحول حقيقي.
وفي الأراضي الفلسطينية، تأخذ الأزمة طابعاً يجمع البعدين السياسي والاقتصادي، إذ تعتمد الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل شبه كامل على إسرائيل في تزويدهما بالكهرباء والوقود.
وقبل حرب السابع من أكتوبر 2023، كانت غزة تخصص أكثر من 20 بالمئة من ناتجها المحلي لاستيراد الطاقة. ومع ارتفاع الأسعار العالمية، سجلت أسعار الوقود في أبريل 2026 زيادات كبيرة، إذ بلغ سعر بنزين 95 نحو 7.90 شيكل للتر ووصل سعر السولار إلى 8.40 شيكل، مع نسب ارتفاع قدرها 15.33 بالمئة للبنزين و40.94 بالمئة للسولار.
وتقلص الفارق السعري مع إسرائيل إلى أقل من 15 أغورة، مقارنة بـ60 إلى 70 أغورة سابقاً. وبلغ إجمالي دعم السلطة الفلسطينية للوقود خلال أربع سنوات نحو 2.28 مليار شيكل، فيما يتكبد الاقتصاد خسائر تقدر بنحو 18 مليار شيكل سنوياً نتيجة فقدان مئات الآلاف من الفلسطينيين لعملهم داخل إسرائيل بعد إغلاق تل أبيب إثر هجوم حماس.
مصر بين التقشف وتحديات الإمداد
ورغم عدم انخراط مصر المباشر في النزاع، دفعت تداعيات اضطراب الإمدادات العالمية، خاصة مع شبه توقف الملاحة في مضيق هرمز، الحكومة إلى تبني إجراءات تقشفية استثنائية شملت الإغلاق المبكر للمتاجر والمطاعم والمقاهي، وخفض إضاءة الشوارع، وتطبيق العمل من المنزل ليومين أسبوعياً خلال أبريل.
وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن فاتورة الوقود تضاعفت أكثر من مرتين منذ بداية العام لتصل إلى نحو 2.5 مليار دولار في مارس.
وتستورد مصر الغاز من إسرائيل بموجب اتفاق جرى تعديله نهاية 2025 ليشمل توريد 130 مليار متر مكعب بقيمة 35 مليار دولار حتى 2040، لكن هذا الإمداد واجه تحديات بعد أن أمرت إسرائيل بإغلاق مؤقت لبعض حقول الغاز كإجراء أمني خشية استهدافها من الصواريخ والمسيرات الإيرانية.
من يدفع الثمن عربياً؟
تشير تقديرات عقل إلى أن الدول العربية الأكثر هشاشة هي تلك التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، وفي مقدمتها لبنان يليه الأردن ثم مصر والمغرب وتونس واليمن، فيما تبدو الدول الخليجية المصدرة للنفط في موقع أكثر متانة وقد تستفيد من ارتفاع الأسعار.
وأكد أن محدودية الاحتياطيات المالية وضيق الحيز المالي في الدول المستوردة يجعلانها أكثر عرضة لانكماشات اقتصادية حادة.
الغذاء في عين العاصفة
إلى جانب قطاع الطاقة، امتدت الأزمة لتطال الغذاء والمواد الأساسية، إذ أدى ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى زيادة كلفة النقل والإنتاج، بينما ساهمت القفزات في أسعار الأسمدة بدفع أسعار الغذاء إلى مستويات قياسية.
وتشير التقديرات إلى ارتفاع عدد المعرضين لخطر الجوع الحاد بنحو 45 مليون شخص عالمياً. ويبرز قطاع غزة كنموذج صارخ، حيث قفزت أسعار الدقيق بنحو 270 بالمئة خلال فترة وجيزة، بينما تزايد في الأردن ولبنان ومصر الضغط على برامج الدعم وتراجعت القوة الشرائية.
سيناريوهات قاتمة لمستقبل المجهول
يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية. وفي السيناريو المرجح على المدى القصير، قد يشهد المضيق إعادة فتح جزئي مع بقاء المخاطر الأمنية، مما يبقي أسعار النفط بين 90 و110 دولارات للبرميل ويبقي الضغوط على التضخم قائمة.
أما في حال حدوث تصعيد واسع أو إغلاق مطول، فقد يؤدي إلى فقدان نحو 10 ملايين برميل يومياً، ما يدفع الأسعار إلى ما فوق 140 دولاراً ويحدث صدمة طلب عالمية قد تنتهي بركود في أوروبا وآسيا. عربياً، ستكون الدول المستوردة الأكثر تضرراً، لا سيما لبنان والأردن ومصر.
على المستوى العام، تتسبب الأزمة في ارتفاع تكاليف الشحن والأسمدة وتزيد الضغوط على البنوك المركزية، بالتزامن مع تصاعد الدعوات لتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة.
وقد دفعت التداعيات صندوق النقد الدولي والوكالة الدولية للطاقة والبنك الدولي إلى تشكيل فريق مشترك لمتابعة الأزمة، لكن التأثيرات تبقى غير متماثلة، إذ تتحمل الدول المستوردة الفقيرة العبء الأكبر، فيما يظل مسار التعافي رهيناً بمدة التوترات وقدرة الأسواق العالمية على التكيف.