خسرت القوات الأميركية 42 طائرة عسكرية على الأقل منذ اندلعت الحرب مع إيران قبل نحو ثلاثة أشهر، وفق حصيلة غير مسبوقة وثقها تقرير صادر عن دائرة أبحاث الكونغرس الأميركي في 13 مايو الجاري.
ولم تصدر هذه الأرقام عن البنتاغون مباشرة، بل اضطر الباحثون في الكونغرس إلى تجميعها من تقارير إعلامية وتصريحات متفرقة للقيادة المركزية ووزارة الحرب، في غياب أي إحصاء رسمي شامل للخسائر القتالية.
وكشفت الوثيقة عن تنوع صادم في نوعية الطائرات التي سقطت أو تعرضت لأضرار: أربع مقاتلات F-15E، ومقاتلة شبح من الجيل الخامس F-35A، وطائرة هجوم أرضي A-10، وسبع طائرات تزود بالوقود KC-135، وطائرة إنذار مبكر E-3، وطائرتا عمليات خاصة MC-130J، ومروحية إنقاذ قتالي HH-60W، إضافة إلى 24 طائرة مسيرة من طراز MQ-9 Reaper وطائرة استطلاع مسيرة MQ-4C Triton.
حاملة طائرات تحترق من الداخل و500 مصاب و15 قتيلاً
لم تقتصر فاتورة الحرب على الطائرات وحدها. فقد أورد التقرير ذاته مقتل 15 جندياً أميركياً على الأقل وإصابة أكثر من 500 عسكري، في حصيلة بشرية لا تقل دلالة عن الأرقام المادية.
وامتد الاستنزاف إلى قطع الأسطول، حيث تعرضت حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد آر فورد” لأضرار جراء حريق اندلع داخل غرفة الغسيل، في حادثة تلخص الضغوط التشغيلية الهائلة التي تتحملها القطع المنتشرة في المنطقة.
وحذرت البحرية الأميركية الأسبوع الماضي من “تخفيضات صعبة” في ميزانيتها الصيفية ما لم يقر الكونغرس تمويلاً طارئاً. أما الكلفة المالية الإجمالية فارتفعت إلى 29 مليار دولار، حيث أرجع المراقب المالي في البنتاغون جولز هيرست الثالث جزءاً كبيراً من هذه الزيادة إلى “التقديرات المحدثة المتعلقة بإصلاح أو استبدال المعدات العسكرية المتضررة أو المفقودة”، وذلك خلال جلسة استماع أمام مجلس النواب في 12 مايو.
إيران تلتقط التقرير وتهدد بالمفاجآت وترامب يرفض مقترحات التهدئة
لم يمر التقرير مرور الكرام في طهران. فقد بادر وزير الخارجية عباس عراقجي إلى نشر الوثيقة كاملة على منصة “إكس”، كاتباً: “بعد أشهر من بدء الحرب على إيران، أقرّ الكونغرس الأميركي بخسارة عشرات الطائرات التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات.
وقد تأكد أن قواتنا المسلحة القوية هي أول من أسقط طائرة F-35 التي تم الترويج لها”. ثم أردف محذراً: “إذا استأنف ترامب العمليات العسكرية، فسنقدم المزيد من المفاجآت”.
يأتي هذا التلويح الإيراني في لحظة حرجة، إذ لا تزال المفاوضات بين واشنطن وطهران تدور في حلقة مفرغة. فإيران تصر على حزمة شروط متكاملة: وقف كامل للهجمات ضدها وضد حلفائها في لبنان، وانسحاب القوات الأميركية من المناطق القريبة من حدودها، ورفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة، وتعويضات عن أضرار الحرب، وإنهاء “الحصار الأميركي” عبر مضيق هرمز. أما ترامب، فقد رفض خلال الأسابيع الأخيرة عدة مقترحات للتهدئة، أبرزها طلب إيراني بفصل المحادثات النووية عن مفاوضات وقف الحرب، واصفاً إياه بأنه “غير مقبول تماماً”.
الكونغرس يحذر: الخسائر تهدد الانتشار العالمي لواشنطن
رأت دائرة أبحاث الكونغرس في ختام تقريرها أن “التداعيات الفعلية لهذه الخسائر لم تتضح بالكامل بعد”، لكنها حذرت من أن الأمر “قد يؤثر على قدرة وزارة الحرب على تنفيذ متطلباتها العملياتية الحالية، والحفاظ على انتشارها العسكري العالمي، والاستجابة لأي أزمات أو طوارئ مستقبلية”.
ويعني هذا التقييم، الصادر عن جهاز بحثي تابع للسلطة التشريعية، أن الخسائر لم تعد مجرد أرقام في سجلات البنتاغون، بل باتت تهدد قدرة واشنطن على إدارة التزاماتها العسكرية في أكثر من جبهة.
وفيما تتأرجح الهدنة الهشة بين الصمود والانهيار، تبقى حصيلة 42 طائرة و15 قتيلاً و29 مليار دولار شواهد على حرب لم تنته بعد، ويبدو أن فاتورتها الحقيقية لم تكتمل.
