لم تكن مجرد قطعة حلوى عابرة، بل تحولت إلى ظاهرة اقتصادية وثقافية غيّرت معايير صناعة الشوكولاتة على مستوى العالم.
هذه هي القصة التفصيلية لكيفية ولادة “شوكولاتة دبي”، مسار انتشارها الجنوني، وأثرها المباشر على سلاسل التوريد والأسواق العالمية.
بدأت الحكاية فعلياً في عام 2021، عندما شعرت سارة حمودة، المؤسسة البريطانية-المصرية لشركة “فيكس للحلويات والشوكولاتة” ومقرها دبي، برغبة قوية أثناء حملها في ابتكار شيء فريد يجمع بين حنينها للشرق والغرب.
لم يكن الهدف تجارياً في البداية، بل كان إشباعاً لشهيتها الشخصية لمزيج من الكنافة المقرمشة والفستق.
انضم إليها زوجها يزن العاني، المالك المشارك، الذي نشأ معها في المملكة المتحدة قبل انتقالهما إلى دبي قبل عشر سنوات. استلهاما من جذورهما المزدوجة، طورا الوصفة على مدار عام ليطلقا المنتج رسمياً في المتجر عام 2022.
وأطلق الزوجان على هذا الابتكار اسم “لا أستطيع الاكتفاء من أكلي للكنافة”، ولم يكن يحمل اسم “شوكولاتة دبي” في تلك الفترة.
تميز اللوح الأصلي بتصميم مدروس ليناسب منصات التواصل الاجتماعي: غلاف سميك من شوكولاتة الحليب، وحشوة كريمية غنية من الفستق والطحينة، مع طبقة مقرمشة من عجينة الكاداييف (الكنافة).
كما تميزت التركيبة بالجرأة في دمج روائح شرقية مثل الورد، الزعفران، والهيل.
كانت استراتيجية البيع تعتمد على الندرة والحصريّة؛ حيث كانت تباع حصرياً عبر تطبيق توصيل الطعام في الإمارات لمدة ساعتين فقط يومياً، وغالباً ما كانت تنفد خلال دقائق.

الشرارة الفيروسية وانتشار الظاهرة (ديسمبر 2023)
وبقيت الشوكولاتة سرّاً محلياً محبوباً حتى حدث نقطة التحول في ديسمبر 2023. نشرت المؤثرة الشهيرة على منصة “تيك توك” ماريا فييرا مقطع فيديو وهي تتذوق لوح الشوكولاتة داخل سيارتها.
وركّز الفيديو على العناصر الحسية الجاذبة: البقع الخضراء والبرتقالية المرئية، سيلان الكريمة، وصوت القرمشة العالي عند كسر القطعة.
وحقّق الفيديو أكثر من 125 مليون مشاهدة و7 ملايين إعجاب، ليتحول الاسم فوراً في أذهان الملايين إلى “شوكولاتة دبي”. انتشر الهوس بسرعة مذهلة من الإمارات إلى العالم أجمع، حيث أصبح الناس مستعدين لفعل أي شيء لتذوقه، مما أدى إلى ظهور قوائم انتظار طويلة وتهريب الألواح عبر الحدود.
ووصف يزن العاني في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” الشهرة العالمية بأنها كانت “مُغرية ومُتواضعة” و”مُرضية”، مؤكداً أن النجاح يعود للرغبة في إعادة إحياء ذكريات الماضي عبر النكهات.
الزلزال الاقتصادي ونقص الموارد
لم يقتصر التأثير على الشهرة الإعلامية، بل امتد ليهزّ الأسواق العالمية مادياً:
نقص عالمي في الفستق: وفقاً لشركة الإنتاج الإيرانية “كينيا”، أدى الارتفاع الهائل في الطلب نتيجة “جنون شوكولاتة دبي” على منصة “تيك توك”، مقترناً بقيود في العرض، إلى نقص عالمي في حبوب الفستق الحلبي.
بيانات بحثية ضخمة: أظهرت بيانات مؤشرات “جوجل تريندز” ارتفاعاً حاداً في عمليات البحث عن “شوكولاتة دبي” منذ بداية العام، لتصل ذروتها في شهر مارس ولا تزال مرتفعة.
أرقام مبيعات خيالية في أمريكا: بلغت مبيعات الشوكولاتة المحشوة بالفستق في الولايات المتحدة 822,900 دولار خلال 52 أسبوعاً حتى يونيو.
ارتفعت مبيعات وحدات الشوكولاتة المحشوة بالفستق بنسبة جنونية قدرها 1,234% مقارنة بالعام السابق.
في المقابل، انخفضت مبيعات أنواع الشوكولاتة الأخرى بأقل من 1%، بينما بلغ إجمالي سوق الشوكولاتة 16.27 مليار دولار.
صرح ستيوارت ليونارد جونيور، الرئيس التنفيذي لسلسلة متاجر “ستيو ليوناردز”: “لم أرَ أي منتج يُباع بهذه السرعة في 50 عاماً من عملي في البيع بالتجزئة”.

استجابة السوق العالمي والمقلدون
استجابت الصناعة العالمية بآليات متعددة لمواكبة الظاهرة:
ظهور نسخ مقلدة ومحلية: نظراً لأن المنتج الأصلي لا يزال حصرياً في الإمارات، بدأت علامات تجارية عالمية ومستقلة بإنتاج نسخها:
شركة ليندت السويسرية طرحت إصداراً محدوداً في أوروبا بسعر 10 جنيهات إسترلينية في بريطانيا.
متاجر ليدل، ويتروز، موريسونز في لندن، وتريدر جو، وول مارت، كوستكو، كي في سي في أمريكا عرضت منتجات مستوحاة من دبي.
مطعم آيه هوب وباسكن روبنز أدرجا نكهات مستوحاة من الظاهرة في قوائمهم.
في لندن، قدم متجر ميزون صمدي (أحد أقدم صانعي الشوكولاتة ذوي الجذور اللبنانية) نسخته باسم “شوكولاتة دبي الشهيرة”. قال نبيل شهاب، مدير تطوير الأعمال لديهم: “كانت خطوة طبيعية تجمع بين تراث الكنافة وخبرتنا في الشوكولاتة”، مشيراً إلى أن الإقبال فاق التوقعات.
أطلقت سلسلة ستيو ليوناردز لوح “بي ماكس دبي” وصندوق هدايا خاص.
تنوع المنتجات: تجاوزت الظاهرة الألواح لتشمل الكرواسان، الميلك شيك، الآيس كريم، تمر مغطى بالشوكولاتة، ومكسرات محمصة.
قدمت شركة “ذا ناتس فاكتوري” الأمريكية نحو 12 نوعاً من الألواح، بما في ذلك لوح “دبي جولدن شوكولاتة” المزين برقائق ذهب صالحة للأكل بسعر 79.99 دولاراً، بينما تباع الألواح العادية بـ 18.99 دولاراً. كما تنتج كعك الفراولة متعدد الطبقات.
لماذا نجحت؟ (تحليل الخبراء والمستهلكين)
يرى الخبراء أن النجاح ليس صدفة، بل يعتمد على عوامل محددة:
القوام هو الملك: أكدت دين ألّال من شركة “ذا ناتس فاكتوري”: “لم أعد أسميها مجرد موضة عابرة، بل هي حركة جديدة بالكامل أعادت تعريف تجربة الحلويات”. وأضافت أن المزج بين القوام الكريمي والمقرمش أصبح عنصراً أساسياً.
التجربة الحسية: قالت المدونة التركية أيلين أوني تان: “النجاح الحقيقي يكمن في القوام… مذاق كريمة الفستق المخملي وعجينة الفيلو المقرمشة يجعلها جذابة بصرياً وحسياً”.
الفخامة والغموض: ذكرت إيريكا ليفكوويتس، زبونة في دبلن: “النكهات تعكس الفخامة والغموض مع لمسات من الفستق والورد والزعفران والهيل”.
الحنين للماضي: كما أكدت سارة حمودة لمجلة أريبيان بزنس: “أردت للناس، من أول قضمة، أن يستعيدوا لحظات من ماضيهم” في أسواق الشرق الأوسط.
اليوم، يمكن العثور على نسخ من شوكولاتة دبي في كل مكان: من تطبيقات التوصيل في الإمارات، ومحلات الحلوى في إسطنبول، وممرات متاجر ليدل في لندن، إلى أزقة أسواق مومباي.
لقد هزّت هذه الموجة صناعة الشوكولاتة العالمية، وفتحت سوقاً جديداً بالكامل، وأثبتت أن فكرة واحدة مولودة من شغف شخصي، مدعومة بقوة الوسائط الرقمية، قادرة على خلق نقص في المواد الخام العالمية وإعادة تشكيل عادات الاستهلاك في جميع أنحاء الكوكب.
