يواصل الطباخ ورئيس إحدى الجمعيات الأهلية في سبتة، عبد الله مصطفى، جهوده الميدانية على مدار شهرين متتاليين لاحتضان آلاف المهاجرين، إثر موجة نزوح غير مسبوقة شهدت عبور 80 ألف شخص سباحة نحو الجيب الإسباني البالغة مساحته 7 أميال مربعة.
وتضع هذه الأزمة المستمرة سياسة الهجرة الإسبانية تحت مجهر الانتقادات، في وقت يواجه فيه التعايش التاريخي بين مكونات المدينة اختباراً قاسياً يكشف عن تفاوتات ديموغرافية واقتصادية عميقة.
خيمة أهلية لإيواء العالقين
يستقبل مصطفى في خيمته المؤقتة، التي أقامها بالتعاون مع منظمة إغاثية بحي “سيدي امبارك” ذي الأغلبية المسلمة، طلبات إغاثة لا تتوقف؛ بدءاً من توفير الإسعافات الأولية للأطفال وتوجيه طالبي اللجوء، وصولاً إلى التعامل مع الحوادث الأمنية الفردية.
وتشارك قيادات محلية أخرى في هذا الحراك الأهلي، حيث يتناوب المتطوع سعيد محمد، المنحدر من الجيل الثالث للمغاربة، مع مجموعة من رجال حي “إل برينسيبي” على حراسة مخيم مخصص للفتيات والنساء في ملعب كرة القدم المحلي حتى ساعات الفجر الأولى.
وتأتي هذه التحركات وسط بقاء نحو 5000 مهاجر عالقين في شوارع المدينة وشواطئها، مثل “بلايا ديل ترامبولين”، بعد تراجع الأغلبية عن حلم العبور نحو القارة الأوروبية واختيارهم العودة إلى ديارهم خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى من الأزمة.

ضغوط أوروبية وتوترات جيوسياسية
تتصاعد حدة الخلافات بين مدريد وعواصم أوروبية منذ إعلان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في أبريل الماضي خطة لتسوية أوضاع نصف مليون مهاجر.
ودفع هذا التوجه إيطاليا لتعليق تعاونها ضمن منطقة “شنجن” وإعادة الرقابة الحدودية، بينما لوحت فنلندا والدنمارك بطرد إسبانيا من اتفاقية حرية التنقل، وطالب السياسي الألماني فريدريش ميرتس مدريد بضرورة “استعادة السيطرة”.
وعلى الصعيد الإقليمي، يربط مراقبون بين التدفق المفاجئ في 30 يوليو وزيارة سانشيز إلى الجزائر قبلها بأيام، في ظل الصراع الدائر بين الجزائر والمغرب حول الصحراء الغربية.
وتطالب الرباط بالسيادة على الجيب منذ استقلالها عام 1956، وهو ما يدفع الباحث في سياسة الهجرة بجامعة بومبيو فابرا، لورينزو غابرييلي، للتأكيد على حضور احتمالية التوظيف السياسي للأزمة، مشيراً إلى أن هاجس استيلاء المغرب على سبتة يسيطر دائماً على الأجواء، رغم نفي إسبانيا وجود أدلة قاطعة على تورط الرباط.
مخاوف أمنية وميزانية طوارئ
أفرز الوجود الكثيف للمهاجرين في الساحات العامة تحديات أمنية دفعت السلطات لنشر قوات الشرطة أمام المدارس مطلع سبتمبر.
وكشف المدعي العام في سبتة لصحيفة “إل باييس” عن تسجيل زيادة مطردة في حالات الاعتداء الجنسي منذ أواخر يوليو، في حين يشتكي المهاجرون أنفسهم من تعرضهم للسرقة ليلاً، وفقاً لشهادة المهاجر أشرف البالغ من العمر 29 عاماً والمنحدر من مدينة الفنيدق.
ولجأ بعض السكان، كالضابط المتقاعد خوسيه لويس كاستيلو، لحمل رذاذ الفلفل، تزامناً مع خروج مظاهرات حاشدة في الثاني من سبتمبر تنديداً بالوضع، وهي احتجاجات استغلها حزب “فوكس” اليميني، بينما تصر المتظاهرة إستر سيرينو على أن التحرك سلمي ويرفض ما تصفه بـ”الغزو”. ومن جهتها، خصصت الحكومة الإسبانية 309 ملايين يورو لتوسيع مراكز الإيواء وتسريع معالجة طلبات اللجوء والترحيل، مؤكدة أن غالبية الوافدين لا يستوفون شروط الحماية الدولية.
مجتمع الأديان أمام اختبار الاندماج
تعيش سبتة تركيبة ديموغرافية تضم 55% من المسيحيين و45% من المسلمين، إلى جانب 2% من اليهود والهندوس، وتتخذ من أعياد الميلاد وشهر رمضان عطلاً رسمية.
ورغم هذا التنوع السطحي، كشفت الأزمة عن تهميش اقتصادي يطال الأحياء المسلمة التي تتركز فيها معدلات البطالة البالغة 22.2% بالمدينة. ويحذر عالم الاجتماع ومدير الجامعة الوطنية للتعليم عن بعد في سبتة، كارلوس رونتومي روميرو، من هشاشة التعايش وضرورة بذل جهود إضافية للحفاظ عليه.
وفي الإطار ذاته، يوضح أستاذ علم الاجتماع بجامعة كتالونيا المفتوحة، فيكتور ألبرت بلانكو، أن المسلمين في سبتة خاضوا كفاحاً طويلاً للمشاركة في الحياة العامة وإثبات اندماجهم، خاصة أنهم لم ينالوا حق الحصول على الجنسية الإسبانية، كحال 14 ألفاً في مليلية و10 آلاف في سبتة، إلا بعد إقرار قانون الأجانب عام 1986.
ويواجه المسلمون المنحدرون من أصول مغربية اليوم، كعمر أمزناو وسارة محمد، ضغوطاً متزايدة وحوادث عنصرية تدفع بعضهم لارتداء أساور بألوان العلم الإسباني كدرع وقائي لإثبات انتمائهم.
وفي شوارع حي “سيدي امبارك” المكتظة بأكوام القمامة والبطالة، يواصل مصطفى كسر الصورة النمطية عبر عمله الميداني، متنقلاً بين رش المبيدات الحشرية أمام خيام المهاجرين وتلبية نداءات الاستغاثة عبر هاتفه، متمسكاً بجهوده الإنسانية كمحفز لترسيخ اندماج مجتمعه وتثبيت حقوقه التاريخية في المدينة.
