لم تعد أزمة رقائق الذاكرة شأنًا يخص مهندسي سلاسل الإمداد وحدهم، بل صارت بندًا ثابتًا في نتائج الشركات الكبرى وفي فاتورة المستهلك. ففي إعلان نتائج الربع المالي الرابع هذا الأسبوع، وصف الرئيس التنفيذي لأبل جون تيرنوس ما تشهده أسعار الذاكرة بأنه غير مسبوق، وتوقع ارتفاعًا أكبر في التكاليف خلال ربع ديسمبر، واستمرار الارتفاع بعده. تأتي أهمية هذا التحذير من أنه صادر عن واحدة من أقوى الشركات في العالم تفاوضًا مع الموردين. وإذا كانت أبل عاجزة عن امتصاص الصدمة، فالأرجح أن الشركات الأصغر والأسواق المستوردة، ومنها معظم الأسواق العربية، ستتحمل نصيبًا أكبر منها.
خلفية الأزمة: مراكز البيانات تبتلع الذاكرة
بدأت الأزمة في الربع الأخير من 2025، عندما اشتد بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وصارت تستهلك كميات ضخمة من رقائق الذاكرة العشوائية (DRAM) وذاكرة التخزين (NAND). تقول وكالة فرانس برس إن هذه الرقائق ترتفع أسعارها كل ربع بنسبة لا تقل عن 50% منذ أواخر 2025. وتُستخدم هذه الرقائق في كل جهاز إلكتروني تقريبًا، من الهاتف إلى السيارة.
وأفادت شركة الأبحاث كاونتربوينت بأن أسعار ذاكرة DRAM المخصصة للهواتف الذكية ارتفعت 50%، وأسعار ذاكرة NAND أكثر من 90%، على أساس فصلي في الربع الأول من 2026. ونقل موقع تك كرانش عن تارون باثاك، مدير الأبحاث في الشركة، أن أسعار الذاكرة تضاعفت أكثر من أربع مرات منذ الربع الأخير من 2025، وأن هذا المكوّن وحده التهم هوامش أرباح معظم شركات الإلكترونيات الاستهلاكية.
وفي 25 يونيو الماضي رفعت أبل أسعار أجهزة ماك وآيباد ومنتجات أخرى. وبحسب شبكة سي إن إن، ارتفع سعر حاسوب ماك بوك نيو من 599 إلى 699 دولارًا، وأرخص آيباد من 349 إلى 449 دولارًا، وتراجع سهم الشركة يومها 6.1%. وذكرت بلومبرغ أن مايكروسوفت رفعت أسعار أجهزة إكس بوكس في اليوم نفسه وللسبب ذاته. ثم امتدت الزيادات إلى أجهزة آيفون في سبتمبر، كما أوضح تيرنوس في مؤتمر النتائج الأخير.
ماذا قال المسؤولون: لغة الطوارئ في قطاع التقنية
تغيّرت لغة الشركة خلال بضعة أشهر. ففي يونيو قالت أبل في بيان نقلته فرانس برس: «لم نرَ قط سعر مكوّن يرتفع بهذا القدر وبهذه السرعة». وقبل ذلك بأسبوع، وصف الرئيس التنفيذي السابق تيم كوك الارتفاع، في تصريح لصحيفة وول ستريت جورنال، بأنه «فيضان لا يحدث إلا مرة في القرن»، وقال إن رفع الأسعار بات «لا مفر منه».
أما في مؤتمر النتائج الأخير فقال تيرنوس: «ما نراه في أسعار الذاكرة الآن غير مسبوق». وأوضح أن الزيادة في الربع الماضي عوّضها جزئيًا المخزون الذي اشترته الشركة مسبقًا وانخفاض تكلفة مكونات أخرى. وحضر المؤتمر أيضًا كبير مسؤولي العمليات صبيح خان، المسؤول عن سلاسل الإمداد، فأكد زيادة التزامات الشراء ولم يستبعد زيادات جديدة في أسعار الأجهزة.
بين السطور، تكشف الأرقام عن استراتيجية دفاعية. فبحسب تك كرانش، ارتفع مخزون أبل من 11.09 مليار دولار في الربع الثالث إلى 14.54 مليارًا في الربع الرابع، أي بزيادة 154.3% عن الفترة نفسها من العام الماضي. كما ربطت الشركة توقعها لهامش ربح إجمالي بين 45% و46% في ربع ديسمبر بارتفاع تكاليف الذاكرة أساسًا. معنى ذلك أن أبل تشتري الذاكرة اليوم تحسبًا لأسعار أعلى غدًا، وهو سلوك تتبعه الشركات عادة حين تتوقع أن يطول النقص.
من يربح من أزمة رقائق الذاكرة؟
جوهر الأزمة أن عدد الرقائق المتاحة محدود، وأن مشتريين أقوى ماليًا دخلوا السوق. فشركات الحوسبة السحابية وبناة مراكز الذكاء الاصطناعي تدفع أكثر، ويرى المصنعون عائدًا أعلى في توجيه طاقتهم الإنتاجية إليها بدل سوق الهواتف والحواسيب. والنتيجة أن الأرباح تتجمع لدى منتجي الذاكرة. وقد أشارت سي إن إن إلى أن الطلب دفع شركات مثل ميكرون إلى تحقيق أرباح قياسية، بينما يتحمل الضغط صانعو الأجهزة ثم المستهلكون.
لهذا التحول ثلاثة أبعاد في موازين القوى:
- قوة تفاوضية جديدة للموردين: ينتج الذاكرة عدد قليل من الشركات، فانقلبت العلاقة التقليدية التي كان فيها كبار صانعي الأجهزة يفرضون شروطهم.
- تمييز بين الشركات حسب حجمها: تستطيع الشركات ذات السيولة الكبيرة أن تخزّن الرقائق وتمتص جزءًا من الصدمة. فقد سجلت أبل إيرادات قياسية بلغت 416 مليار دولار في سنتها المالية السابقة بحسب فرانس برس. أما الشركات الأصغر فهوامشها أضعف من أن تتحمل.
- ارتباط بسباق الإنفاق على الذكاء الاصطناعي: ما دامت الشركات العملاقة تواصل بناء مراكز البيانات، سيبقى الطلب على الذاكرة مرتفعًا. ولهذا تتابع الأسواق أي إشارة إلى تباطؤ هذا الإنفاق، كما ظهر في تراجع أسهم التكنولوجيا الأميركية تحت ثقل فاتورة الذكاء الاصطناعي.
وتنقل بلومبرغ عن مسؤولين في الصناعة أن النقص قد يستمر سنوات، لأن مراكز البيانات الجديدة تستهلك الرقائق بسرعة تفوق الزيادة في الإنتاج. يضاف إلى ذلك أن الرقائق جزء من التنافس التقني والتجاري بين واشنطن وبكين، مما يجعل الإمدادات عرضة لاضطرابات سياسية، كما يتضح من الهدنة التجارية الأميركية الصينية الهشة.
الانعكاسات على المنطقة العربية
تستورد الأسواق العربية الهواتف والحواسيب وأجهزة الشبكات في الغالب، ولذلك تنتقل إليها زيادات الأسعار العالمية سريعًا. وبما أن زيادات أبل في يونيو طُبقت عالميًا بحسب بلومبرغ، فالمستهلك العربي يدفع أكثر مقابل الأجهزة نفسها. وفي تقديرنا التحليلي، ستكون الآثار على ثلاثة مستويات:
- المستهلكون وتجار التجزئة: قد يحتفظ المستهلكون بأجهزتهم مدة أطول، ويزداد الإقبال على الأجهزة المستعملة والمجددة. وقد يتعرض الموزعون لضغط على هوامشهم إذا ضعف الطلب.
- برامج التحول الرقمي: المؤسسات الحكومية والتعليمية والمصرفية التي تخطط لتحديث أجهزتها وخوادمها ستواجه تكاليف أعلى، وقد تحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياتها أو جدولة مشترياتها.
- مشاريع مراكز البيانات الإقليمية: تتوسع دول خليجية عدة في بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ويرفع ارتفاع أسعار الذاكرة كلفة هذه المشاريع، لكنه يمنح أفضلية لمن يملك تمويلًا طويل الأجل وشراكات مباشرة مع المصنعين تضمن له الإمدادات.
وتتزامن الأزمة مع ضغوط تضخمية أخرى، منها تقلب أسعار النفط على خلفية التوتر في هرمز. ومن ثم قد يضاف غلاء الأجهزة الإلكترونية إلى عوامل أخرى ترفع تكاليف المعيشة والأعمال في الاقتصادات المستوردة الصافية للتقنية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة ومؤشرات ترجيحها
السيناريو الأول: استمرار النقص لفترة طويلة
يستمر النقص حتى 2027 وما بعده إذا بقي الإنفاق على مراكز البيانات مرتفعًا ولم تدخل طاقة إنتاجية جديدة سريعًا. المؤشرات: تحذيرات جديدة من صانعي الأجهزة في نتائج الربع المقبل، واستمرار ارتفاع المخزون لدى الشركات الكبرى، وزيادات إضافية في أسعار الأجهزة. ويرجّح هذا السيناريو حاليًا قول أبل إن التكاليف ستستمر في الارتفاع بعد ديسمبر.
السيناريو الثاني: انفراج تدريجي
تهدأ الأسعار تدريجيًا مع زيادة المصنعين إنتاجهم وتباطؤ وتيرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي. المؤشرات: تراجع خطط الإنفاق الرأسمالي لدى شركات الحوسبة السحابية، وتباطؤ ارتفاع أسعار عقود الذاكرة، وتوقف المستهلكين عن تقديم مشترياتهم خوفًا من الغلاء.
السيناريو الثالث: انعكاس حاد
يحدث تصحيح كبير في استثمارات الذكاء الاصطناعي، فيتحول النقص إلى فائض تتراجع معه الأسعار بسرعة. ويبدو هذا السيناريو مستبعدًا في المدى القريب. المؤشرات: إلغاء مشاريع كبرى لمراكز البيانات، وموجة بيع واسعة ومستمرة في أسهم التقنية.
تكشف أزمة رقائق الذاكرة كيف يعيد الذكاء الاصطناعي توزيع موارد الاقتصاد الرقمي: الرقائق تتجه إلى مراكز البيانات، والأرباح إلى منتجي الذاكرة، والتكلفة إلى المستهلك. وتحذير أبل الأخير، مع تضخم مخزونها، يعني أن الشركات الكبرى تستعد لأزمة طويلة. أما في المنطقة العربية، فالأجدى للحكومات والشركات أن تؤمّن إمداداتها مبكرًا وتخطط مشترياتها التقنية على أساس أن الأسعار المرتفعة قد تستمر لفترة، لا على أمل انخفاض قريب.
