دخلت الهدنة التجارية الأميركية الصينية شهرها الأخير بصيغتها الأصلية من دون أن تنهار، لكنها لم تتحول أيضًا إلى اتفاق دائم. فالمهلة التي كانت تنتهي في العاشر من نوفمبر الجاري مُددت إلى العاشر من يناير المقبل، وتتجه واشنطن إلى تمديد مماثل لتعليق رسوم الموانئ المفروضة على السفن المرتبطة بالصين. يكتسب هذا الملف أهمية خاصة الآن لأن أكبر اقتصادين في العالم يدخلان أسابيع مزدحمة بالقمم، فيما يواجه الاقتصاد العالمي أصلًا ضغوط الطاقة والتضخم. ويرى محللون أن الهدوء الحالي يؤجل المواجهة ولا ينهيها.
من بوسان إلى واشنطن
توصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ إلى هدنة مدتها عام خلال لقائهما في كوريا الجنوبية أواخر أكتوبر 2025، بعد مواجهة جمركية تجاوزت فيها الرسوم المتبادلة 100% في إحدى مراحلها. وبحسب مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، خفّضت واشنطن بموجب الاتفاق الرسوم على الواردات الصينية من 57% إلى 47%، وتخلت عن التهديد برسوم إضافية بنسبة 100%، في مقابل تعليق بكين لأحدث قيودها على تصدير المعادن النادرة لمدة عام.
وفصّلت ورقة حقائق صادرة عن البيت الأبيض في نوفمبر 2025 التزامات الطرفين: تشتري الصين ما لا يقل عن 25 مليون طن متري من فول الصويا الأميركي سنويًا في 2026 و2027 و2028، وتنهي تحقيقاتها التي استهدفت شركات أميركية في سلسلة توريد أشباه الموصلات، في حين تُبقي الولايات المتحدة تعليق الرسوم المرتفعة المسماة «تبادلية» حتى العاشر من نوفمبر 2026، وتعلّق لعام كامل قاعدة توسيع قيود التصدير لتشمل الشركات التابعة لكيانات صينية مدرجة على القوائم.
وفي سبتمبر الماضي، ومع وصول شي إلى واشنطن في أول زيارة دولة له منذ أكثر من عقد، أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت تمديد ما يُعرف بـ«اتفاق بوسان» حتى العاشر من يناير. ثم أفادت بلومبرغ في 27 أكتوبر بأن مكتب الممثل التجاري الأميركي اقترح، في إشعار رسمي، تمديد تعليق رسوم الموانئ المتبادلة حتى التاسع من يناير.
ماذا قال المسؤولون وما بين السطور
قال بيسنت في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز إنه التقى نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ قبل الزيارة لبحث إمكانية التوصل إلى اتفاق أكبر بدلًا من سلسلة من الخطوات الصغيرة. هذه العبارة تكشف أن واشنطن لم تعد تكتفي بإدارة الهدنة، بل تريد صفقة أشمل، وأن التمديد القصير غرضه كسب الوقت للتفاوض وليس تعبيرًا عن ثقة متبادلة.
أما الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير فقال لشبكة سي إن بي سي، بحسب فرانس برس، إن واشنطن تنظر إلى هذه التمديدات بوصفها «فترات امتثال». ويعني ذلك أن الإدارة الأميركية تتعامل مع الهدنة كاختبار لسلوك بكين، يمكن سحبه إذا رأت أن الالتزامات لم تُنفذ. وأضاف غرير أن الجانبين اتفقا على منتجات يمكن تحييدها عن أي نزاعات تجارية مقبلة، وأن واشنطن تريد مجموعة من السلع تتبادلها مع الصين بشروط تفضيلية.
وأعلن البيت الأبيض بعد القمة أن الصين وافقت على استيراد ما لا يقل عن 10 ملايين طن متري من الفحم الأميركي في 2027 و2028، وعلى رسوم أكثر تيسيرًا على سلع «غير حساسة» بقيمة 30 مليار دولار في كل اتجاه. وكان بيسنت قد وصف في مايو الماضي إنشاء بروتوكولات للتجارة المُدارة والاستثمار والذكاء الاصطناعي بأنها أهم المكاسب، وقال يومها إن واشنطن «ليست في عجلة» لتمديد الهدنة لأن الأوضاع مستقرة.
تجارة مُدارة فوق تنافس مستمر
يتفق عدد من الباحثين على أن الهدنة لا تعالج جذور الخلاف. فبحسب فرانس برس، قال دانيال راسل من معهد سياسات آسيا التابع لجمعية آسيا إن البلدين ما زالا في منافسة حادة على التجارة والتكنولوجيا وتايوان والدفاع والمعادن النادرة والسياسة الصناعية، حتى وإن بدا الزعيمان على وفاق. ورأى دانيال كريتنبرينك، المسؤول الأميركي السابق في مجموعة آسيا الاستشارية، أن مسؤولين أميركيين يرون أن الصين تفعل الحد الأدنى اللازم للإبقاء على الاتفاق ولا شيء أكثر، وهو وضع وصفه بأنه غير قابل للاستمرار على المدى الطويل.
في المقابل، رأت يون صن، مديرة برنامج الصين في مركز ستيمسون، أن قِصر التمديد يدل على أن الجانبين يعدّان لاتفاق أوسع ويحتاجان وقتًا لحسم تفاصيله الفنية. وبين هذين الرأيين يمكن فهم الحسابات الحالية. تحتاج واشنطن إلى تهدئة الأسعار قبل الاستحقاقات الانتخابية وإلى ضمان إمدادات المعادن النادرة لصناعاتها الدفاعية والتكنولوجية. وتحتاج بكين إلى منفذ لصادراتها وإلى تخفيف القيود على وصولها إلى التكنولوجيا الأميركية. لكن أدوات الضغط لم تُلغَ: الرسوم المرتفعة معلقة فقط، وقيود المعادن النادرة مجمدة، وقاعدة الشركات التابعة مؤجلة. ولهذا يبقى التصعيد ممكنًا في أي وقت.
ويضاف إلى ذلك أن قرار المحكمة العليا الأميركية إبطال الرسوم الطارئة الشاملة التي فرضها ترامب، الذي قال بيسنت إن الصين استفادت منه بخفض الرسوم عليها، أضعف بعض أوراق الضغط الأميركية. وقد يفسر ذلك ميل واشنطن إلى ترتيبات تفاوضية على شكل «مجلس للتجارة» وقوائم سلع محددة بدلًا من الرسوم الشاملة.
الانعكاسات على المنطقة العربية
تهم الهدنة الاقتصادات العربية من ثلاث نواحٍ. الأولى هي الطلب على الطاقة: فاستقرار التجارة بين البلدين يدعم النمو الصناعي الصيني، والصين مشترٍ رئيسي لنفط الخليج وغازه. غير أن التزامات بكين بشراء الطاقة الأميركية، ومنها الفحم وفق إعلان البيت الأبيض، تعني منافسة أكبر من الموردين الأميركيين على السوق الصينية. ويأتي ذلك في وقت تضغط فيه أسعار الطاقة على أوروبا، كما يظهر في تجاوز أسعار الغاز الأوروبي 100 يورو.
الثانية هي الشحن والممرات البحرية: فتعليق رسوم الموانئ المتبادلة يخفف الضغط على أساطيل الشحن وعلى الموانئ العربية التي تمر بها تجارة الحاويات بين آسيا والغرب. ويكتسب ذلك أهمية أكبر في ظل التوتر حول الممرات المائية في المنطقة، وهو ملف تناولته المنصة في مقال خريف الغضب: حين وصلت فاتورة هرمز إلى شوارع أوروبا.
الثالثة هي التكنولوجيا والاستثمار: فدول الخليج التي تستثمر بكثافة في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي تعمل بين منظومتين متنافستين. وأي عودة إلى قيود التصدير الأميركية الموسعة، أو إلى قيود صينية على المعادن النادرة، ستنعكس على كلفة الرقائق والمعدات وعلى قرارات الاستثمار، كما ظهر في تراجع أسهم التكنولوجيا الأميركية تحت ثقل فاتورة الذكاء الاصطناعي.
سيناريوهات المرحلة المقبلة ومؤشرات ترجيحها
السيناريو الأول: اتفاق أوسع للتجارة المُدارة
يتوصل الطرفان قبل العاشر من يناير إلى إطار أشمل يقنّن خفض الرسوم على قوائم السلع غير الحساسة ويحوّل التعليقات المؤقتة إلى التزامات أطول. ومن مؤشرات هذا السيناريو صدور تفاصيل عمل «مجلس التجارة والاستثمار»، وإعلانات ملموسة خلال لقاءي الزعيمين المرتقبين في قمة أبيك بمدينة شينجن هذا الشهر وقمة مجموعة العشرين في ديسمبر.
السيناريو الثاني: تمديدات قصيرة متتالية
يستمر نمط «فترات الامتثال» بتمديدات لشهرين أو ثلاثة، مع تقدم محدود في ملفات الزراعة والطاقة. ويرجح هذا السيناريو أن تتكرر التمديدات القصيرة، كما في إشعار مكتب الممثل التجاري بشأن رسوم الموانئ، وأن يستمر حديث المسؤولين الأميركيين عن الإحباط من وتيرة التزام بكين.
السيناريو الثالث: عودة التصعيد
ينهار المسار إذا اتهمت واشنطن بكين بالإخلال بتعهدات المشتريات أو المعادن النادرة، أو إذا تفجر خلاف في ملف التكنولوجيا أو تايوان. ومن مؤشراته عودة الحديث عن تفعيل الرسوم المعلقة، أو عدم تمديد تعليق قاعدة الشركات التابعة، أو تشديد صيني جديد على صادرات المعادن.
أوقفت الهدنة التجارية الأميركية الصينية حربًا جمركية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، لكنها لم تحل الخلافات العميقة بين البلدين. وتشير تصريحات المسؤولين وآراء الباحثين إلى أن السيناريو الأقرب هو استمرار التمديدات القصيرة مع محاولة بناء تجارة مُدارة في قطاعات محددة. أما المنطقة العربية، التي ترتبط بالقوتين بالطاقة والشحن والاستثمار، فمصلحتها في استمرار هذا الهدوء، مع الاستعداد لاحتمال انتهائه.
