خسرت أسهم التكنولوجيا الأميركية في الأسبوع الأخير من أكتوبر جزءًا كبيرًا من مكاسبها، بعدما كشفت نتائج كبرى الشركات أن فاتورة سباق الذكاء الاصطناعي تتضخم أسرع من الإيرادات التي يُفترض أن تبررها. فقد هوى سهم ألفابت، الشركة الأم لغوغل، بأكثر من 12% يوم الخميس 29 أكتوبر في أسوأ جلسة له منذ إدراجه عام 2004 بحسب فرانس برس، ثم هبط سهم إنتل بنحو 30% في اليوم التالي، لتقترب ناسداك من عتبة التصحيح الفني. ولا تكمن أهمية اللحظة في حجم الخسائر وحده، بل في أن السوق بدأت تميّز بين من ينفق على الذكاء الاصطناعي بعقلانية ومن يراهن بميزانيته كلها، وهو تمييز ستمتد آثاره إلى أسواق التمويل والطاقة والاستثمار السيادي، ومنها المنطقة العربية.
- ماذا حدث في أسبوع النتائج؟
- لغة الأرقام: ما تقوله الشركات وما يقرأه المستثمرون
- المصالح والدوافع: لماذا لا تتوقف الشركات عن الإنفاق؟
- انعكاسات تراجع أسهم التكنولوجيا الأميركية على المنطقة العربية
- السيناريوهات المحتملة ومؤشرات الترجيح
- السيناريو الأول: تصحيح صحي وانتقائية أكبر
- السيناريو الثاني: انتقال العدوى إلى سوق الائتمان
- السيناريو الثالث: عودة الزخم سريعًا
- خلاصة
ماذا حدث في أسبوع النتائج؟
بحسب شبكة سي إن إن، محا تراجع ألفابت نحو نصف تريليون دولار من قيمتها السوقية، وهي ثاني أكبر خسارة في جلسة واحدة في التاريخ بعد تراجع إنفيديا بنحو 600 مليار دولار مطلع 2025. وجاء الهبوط مع تباطؤ نمو إعلانات البحث لدى غوغل بالتزامن مع تسارع الإنفاق، إذ بلغ الإنفاق الرأسمالي للشركة 51.4 مليار دولار في الربع الثالث وحده، مقارنة بـ91.4 مليار دولار في عام 2025 بأكمله.
وفي اليوم التالي تراجعت إنتل بأكثر من 30% بعد توقعات أضعف من المنتظر للربع الرابع، عزتها الشركة إلى ضعف سوق الحواسيب الشخصية واختناقات التصنيع، فيما هبط سهم إنفيديا 5.6% ومؤشر أشباه الموصلات 9%. أما أمازون فأعلنت إنفاقًا رأسماليًا يفوق التوقعات مع أبطأ نمو لنشاط التجارة الإلكترونية الأساسي منذ ثلاث سنوات، وفق بلومبرغ.
ولم يكن هذا الأسبوع حدثًا معزولًا، فقد سبقه في منتصف أكتوبر تراجع حاد لأسهم الرقائق بعد بيانات تضخم أميركية قوية عززت المخاوف من أن ارتفاع أسعار الفائدة سيجعل تمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي أكثر كلفة، بحسب سي إن إن، في وقت تواصل فيه أسعار النفط ارتفاعها منذ اندلاع الحرب على إيران في فبراير.
لغة الأرقام: ما تقوله الشركات وما يقرأه المستثمرون
جاءت الرسالة الأوضح من القوائم المالية لا من التصريحات. فوفق سي إن إن، سجلت غوغل للمرة الأولى في تاريخها ربعين متتاليين من التدفق النقدي الحر السالب، وأعلنت ميتا ربعًا بتدفق نقدي سالب لأول مرة منذ 2012، بينما بلغ التدفق النقدي الحر السالب لأمازون 42.4 مليار دولار خلال الأشهر الاثني عشر الماضية. في المقابل أعلنت مايكروسوفت تدفقًا نقديًا حرًا قدره 18.6 مليار دولار في الربع الثالث، فاستقر سهمها بينما كانت أسهم ألفابت تتهاوى.
واللافت أن الشركات الثلاث التي أعلنت نتائجها، أي مايكروسوفت وألفابت وأمازون، أكدت جميعها أنها ستواصل ضخ الأموال في مراكز البيانات والرقائق رغم نفاد صبر المستثمرين، بحسب فرانس برس. ونقلت الوكالة عن تقديرات المحللين أن الشركات الأربع، ومعها ميتا، ستنفق هذا العام أكثر من 700 مليار دولار على الاستثمار الرأسمالي، أي ما يعادل تقريبًا حجم اقتصاد الأرجنتين أو بلجيكا.
وفي قراءة ما بين السطور، لخّص ريتشارد رايل، كبير مسؤولي الاستثمار في كويستار كابيتال، المزاج الجديد حين قال لسي إن إن إن المستثمرين باتوا يرون الآن من ينفق على الذكاء الاصطناعي بعقلانية ومن لا يفعل. وقال كريستوفر لو من إف إتش إن فايننشال لفرانس برس إن السوق تقرأ ما يجري في كل شركة على حدة بوصفه إشارة إلى تباطؤ القطاع كله. أما المحلل دان آيفز فرأى أن هذا هو الربع الأول الذي تكتسب فيه فرضية التهام الذكاء الاصطناعي لأعمال البحث صدقية فعلية.
المصالح والدوافع: لماذا لا تتوقف الشركات عن الإنفاق؟
من منظور تحليلي، تقف الشركات الكبرى أمام ما يشبه معضلة السجين: التوقف عن الإنفاق يعني التنازل عن موقعها في سباق قد يحدد شكل الصناعة لعقود، والاستمرار يعني ضغطًا متزايدًا على ميزانياتها. وتعكس التقديرات حجم الرهان، إذ يقدّر بنك جيه بي مورغان، وفق سي إن إن، أن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي بلغ 1.6 تريليون دولار منذ 2023، وأنه مرشح لبلوغ تريليون دولار سنويًا طوال العقد المقبل تقريبًا. وكان تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد قد رصد أكثر من 580 مليار دولار من الاستثمارات المؤسسية في القطاع خلال عام واحد.
والجديد في ميزان القوى هو انتقال الثقل من المساهمين إلى الدائنين. فبحسب تقديرات غولدمان ساكس التي نقلتها سي إن إن، يُتوقع تمويل نحو ثلث الإنفاق الرأسمالي لشركات التكنولوجيا الكبرى هذا العام بالديون، أي ما يقارب 250 مليار دولار من السندات لدى مزودي الحوسبة السحابية العملاقة وحدهم، على أن تبلغ هذه النسبة ذروتها العام المقبل عند نحو 35%. ويعني ذلك أن سوق السندات، التي لا تزال هادئة نسبيًا، صارت الحَكَم الفعلي، فإذا انتقلت عدوى التشاؤم إليها سترتفع كلفة الاقتراض وتتغير حسابات الجدوى كلها.
وتمتد المخاطر إلى الاقتصاد الكلي، إذ حذر موهيت كومار، كبير الاقتصاديين الأوروبيين في جيفريز، من أن تباطؤ بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي سيعني تباطؤًا حادًا في توقعات النمو الأميركي، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تنفق سنويًا على هذا القطاع نسبة من ناتجها المحلي تفوق ما أنفقته على مد السكك الحديدية في القرن التاسع عشر.
انعكاسات تراجع أسهم التكنولوجيا الأميركية على المنطقة العربية
أولى قنوات التأثير هي الاستثمار السيادي. فقد أفادت فايننشال تايمز، بحسب ما نقله موقع تك كرانش، بأن جولة التمويل الجديدة لشركة أوبن إيه آي ستقودها مجموعة من المستثمرين الإماراتيين، بعدما خفضت الشركة مستهدفها من 30 مليار دولار إلى 20 مليارًا، فيما ذكرت وول ستريت جورنال أنها جمعت 11 مليار دولار حتى الآن. ويعكس ذلك، في قراءتنا، أن رؤوس الأموال الخليجية طويلة الأجل تحتل موقعًا متقدمًا في تمويل الذكاء الاصطناعي، وأن تراجع التقييمات قد يمنح المستثمر الصبور شروط دخول أفضل مما كانت عليه في ذروة الحماسة.
والقناة الثانية هي الطاقة والتضخم. فمراكز البيانات من أكبر المستهلكين الجدد للكهرباء، وأي إبطاء في بنائها سينعكس على توقعات الطلب على الطاقة، في وقت تعاني فيه أوروبا أصلًا من تجاوز أسعار الغاز 100 يورو ومن قفزة التضخم إلى 3.8%. وإذا أبقت البنوك المركزية الغربية أسعار الفائدة مرتفعة لمواجهة التضخم، فستتأثر كلفة التمويل في الاقتصادات العربية المرتبطة عملاتها بالدولار.
أما القناة الثالثة فهي الأسواق المالية والثروة، إذ إن كثيرًا من المحافظ الاستثمارية العربية، الحكومية والخاصة، مكشوفة على أسهم التكنولوجيا الأميركية مباشرة أو عبر صناديق المؤشرات. ويعني ذلك أن أي تصحيح ممتد سيقلص عوائدها ويدفعها إلى إعادة توزيع أصولها، كما فعل المستثمرون في منتصف أكتوبر حين لجؤوا إلى السندات الحكومية والقطاعات الأقل تأثرًا بتقلبات السوق.
السيناريوهات المحتملة ومؤشرات الترجيح
السيناريو الأول: تصحيح صحي وانتقائية أكبر
تستمر الشركات في الإنفاق، وتعاقب السوق من يعجز عن تحويله إلى إيرادات وتكافئ أصحاب التدفقات النقدية القوية مثل مايكروسوفت. ومؤشرات هذا السيناريو استقرار عوائد السندات، واستمرار إقبال الدائنين على ديون الشركات الكبرى، وصمود ناسداك قرب مستوياته الحالية دون الانزلاق إلى تصحيح عميق.
السيناريو الثاني: انتقال العدوى إلى سوق الائتمان
يتسرب التشاؤم إلى سوق السندات فترتفع كلفة الاقتراض، وتضطر الشركات إلى خفض خطط إنفاقها، بما ينعكس على النمو الأميركي كما حذر جيفريز. ومؤشرات هذا السيناريو اتساع فروق عوائد سندات شركات التكنولوجيا، وتعثر جولات التمويل الكبرى والطروحات الأولية المرتقبة، وعودة بيانات التضخم القوية.
السيناريو الثالث: عودة الزخم سريعًا
تثبت الأرباع المقبلة أن الإيرادات بدأت تلحق بالإنفاق، فتعود الأموال إلى القطاع. ومؤشرات هذا السيناريو تحسن التدفقات النقدية لدى ألفابت وأمازون وميتا، ونجاح الطرح العام الأولي المرتقب لأنثروبيك، وتراجع أسعار الطاقة. ويبدو السيناريو الأول الأرجح حاليًا، مع بقاء الثاني خطرًا قائمًا يتوقف على مسار أسعار الفائدة.
خلاصة
ما جرى في وول ستريت ليس انفجارًا لفقاعة بقدر ما هو نهاية لمرحلة الثقة غير المشروطة، فالسوق لم تعد تكافئ مجرد الإعلان عن إنفاق ضخم، بل تطالب بدليل على العائد. وسيُحسم الاتجاه في سوق السندات وفي قرارات البنوك المركزية أكثر مما يُحسم في مختبرات الذكاء الاصطناعي. أما في المنطقة العربية، فقد يجد المستثمرون الذين يملكون أفقًا طويلًا وسيولة وفيرة في هذا التصحيح فرصة لتعزيز حضورهم في صناعة يُرجَّح أن تعيد رسم الاقتصاد العالمي، شرط ألا تتحول أزمة الثقة إلى أزمة ائتمان.
المصادر
- AFP via France 24 – Wall Street tech rout deepens on doubts over AI spending
- CNN – Shares of Google’s parent company just had their worst day ever
- CNN – Wall Street sell-off deepens as investors question returns on AI
- CNN – The real question we should all be asking about AI
- CNN – Chipmaker sell-off sends investors to other stocks and bonds
- Bloomberg – Tech Stocks Poised to Drop After Amazon Adds to AI Spending Fear
- TechCrunch – OpenAI reportedly lowers funding target for new round
- NPR – Is AI ‘one big bubble’? Behind the tech sell-off
