أثار قانون العفو العام الذي أقرّه البرلمان اللبناني، الأربعاء، جدلاً واسعاً، وسط مخاوف من تداعياته على مسار العدالة وحقوق الضحايا، وتساؤلات حول المستفيدين منه، في وقت تواجه فيه السجون أزمة اكتظاظ تتجاوز قدرتها الاستيعابية بنحو ثلاثة أضعاف.
ويُتوقع أن يفتح القانون الباب أمام الإفراج عن آلاف السجناء والموقوفين أو تخفيف أحكامهم، في خطوة تعيد إلى الواجهة تجربة قوانين العفو السابقة، ولا سيما قانون عام 1991 الذي صدر عقب انتهاء الحرب الأهلية.
وتأتي الخطوة في ظل واقع مأزوم داخل السجون اللبنانية، حيث يقبع موقوفون منذ سنوات من دون محاكمة، فيما تجاوز الاكتظاظ القدرة الاستيعابية للسجون بنحو 300 في المئة.
وتقدم السلطات القانون باعتباره إجراءً استثنائياً لتخفيف هذا الضغط، إلا أن منتقديه يرون أن معالجة أزمة السجون لا ينبغي أن تتم على حساب القضاء أو حقوق المتضررين.
وبحسب القانون الجديد، تُخفّض عقوبات المحكومين بالإعدام أو السجن المؤبد إلى 17 عاماً، علماً أن السنة السجنية في لبنان تُحتسب تسعة أشهر، وليس 12 شهراً.
عفو بعد الحروب
لا يمكن فصل قوانين العفو في لبنان عن تاريخه السياسي والأمني. فمنذ عام 1923، أصدرت السلطات عشرات القوانين والمراسيم المتعلقة بالعفو، ارتبط معظمها بأزمات سياسية أو صراعات مسلحة ومحطات مصالحة وطنية.
ففي عام 1958، صدر عفو عام بعد أزمة سياسية ومواجهات مسلحة كادت تدفع البلاد إلى حرب أهلية. وفي عام 1969، شمل عفو آخر جرائم ارتُكبت قبل عام 1968، في مرحلة شهدت تصاعداً في التوتر الداخلي.
أما قانون 1991، فكان الأبرز والأوسع، إذ صدر بعد انتهاء الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990، وشمل جرائم سياسية وعسكرية عديدة بهدف طي صفحة الحرب، مع استثناء جرائم مرتبطة بأمن الدولة والاغتيالات السياسية والجرائم المالية الكبرى.
تجربة 2005
عاد الجدل حول العفو إلى الواجهة في عام 2005، بعد الانسحاب السوري من لبنان وأشهر قليلة على اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.
وشمل القانون آنذاك رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، الذي كان يقضي حكماً بالسجن المؤبد في قضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رشيد كرامي، إلى جانب موقوفين إسلاميين في قضايا مرتبطة بمواجهات مع الجيش.
وأثار القانون اعتراضات واسعة، خصوصاً من عائلات الضحايا وأوساط عسكرية، بسبب شموله موقوفين لم تكن قد صدرت بحقهم أحكام قضائية نهائية.
أسئلة قضائية
يعيد القانون الحالي طرح إشكالية العفو عن أشخاص لم تُحسم ملفاتهم قضائياً. ويرى الصحافي المتخصص في الشؤون القضائية عمر نشابة أن هذه النقطة تمثل إحدى أكثر المسائل حساسية في التجربة اللبنانية.
ويطرح ذلك أسئلة حول مصير الملفات التي لم تستكمل محاكماتها: هل يعالج العفو أخطاء قضائية محتملة، أم يكتفي بإغلاق الملفات؟ وهل المطلوب إسقاط العقوبة، أم إعادة المحاكمة، أم إصلاح القضاء لمنع تكرار الأخطاء؟
كما تبرز مسألة أخرى تتعلق بما بعد العفو، وما إذا كانت الدولة ستتخذ إجراءات تحول دون تكرار الجرائم التي شملها القانون.
خلاف تحت القبة
ولم يمر إقرار القانون بهدوء داخل البرلمان، إذ انسحبت كتلتا “التيار الوطني الحر” و”حزب الله” من الجلسة التشريعية على خلفية خلاف بشأن منع وزير الدفاع من إلقاء كلمة أمام المجلس.
ووصف نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب القرار بأنه “خاطئ وغير دستوري”، في وقت كانت فيه الخلافات السياسية تلقي بظلالها على النقاش حول القانون.
عفو بطلبات متنافسة
وفي الشارع، أخذت مطالب العفو طابعاً سياسياً وطائفياً واضحاً. فقد طالبت جهات إسلامية بالإفراج عن 79 موقوفاً من أصل 146 من طرابلس، ولا سيما الموقوفين على خلفية أحداث مرتبطة بالحرب السورية.
في المقابل، طالبت جهات أخرى بشمول موقوفين من بعلبك والهرمل، غالبيتهم متهمون في قضايا مخدرات وسرقة سيارات.
كما برزت مطالب من جهات مسيحية لشمول عائلات تعاونت مع إسرائيل وغادرت لبنان بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000.
عدالة أم تسوية؟
بهذا المعنى، يتجاوز الجدل حول قانون العفو أزمة السجون، ليصل إلى جوهر العلاقة بين السياسة والقضاء في لبنان.
فبينما يرى مؤيدوه فيه فرصة لتخفيف الاكتظاظ ومعالجة أوضاع موقوفين ومحكومين، يخشى منتقدوه أن يتحول إلى وسيلة لإغلاق ملفات لم تستكمل مساراتها القضائية، أو إلى تسوية سياسية جديدة تأتي على حساب حقوق الضحايا.
وبعد إقراره، يصبح الاختبار الفعلي في كيفية تطبيق القانون، ومن سيشمله، وما إذا كان سيُستخدم كأداة لإصلاح خلل قضائي مزمن، أم كحل استثنائي لملفات اعتادت الدولة اللبنانية تأجيل حسمها.
