حذّر وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني من تحركات قال إن جماعة الحوثيين تنفذها بدعم وتوجيه من الحرس الثوري الإيراني، بهدف تهيئة الظروف للسيطرة على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وقال الإرياني، في تصريحات لوكالة فرانس برس، إن معلومات وصفها بـ”المؤكدة” تشير إلى أن الحوثيين يسعون إلى توسيع نفوذهم على الساحل الغربي لليمن، بالتوازي مع محاولات للسيطرة على جزر يمنية ذات أهمية استراتيجية في البحر الأحمر.
وربط الوزير هذه التحركات بما وصفه بتحشيدات عسكرية متزايدة، إلى جانب هجمات متكررة استهدفت موانئ وأرصفة ومنشآت مدنية وسفنا وقدرات بحرية تابعة للحكومة اليمنية.
تحركات عسكرية على الساحل الغربي
وتزامنا مع تصريحات الإرياني، نقلت وكالة فرانس برس عن ثلاثة مصادر عسكرية حوثية أن الجماعة تستعد لشن عملية واسعة بهدف السيطرة على مناطق في الساحل الغربي تخضع للقوات الحكومية.
وبحسب المصادر، تمتد المناطق المستهدفة من الخوخة مرورا بالمخا وصولا إلى باب المندب، وجميعها تقع جنوب مدينة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.
بدوره، قال اللواء صادق دويد، المتحدث باسم قوات المقاومة الوطنية المنتشرة في الساحل الغربي، إن الحوثيين “يعملون جاهدين” للحصول على موطئ قدم بالقرب من باب المندب.
واعتبر دويد أن الهجمات والتحركات الأخيرة تهدف إلى الوصول إلى ضفاف المضيق، محذرا من احتمال تحول الوضع فيه إلى نموذج مشابه لما يحدث في مضيق هرمز، الذي يشهد بدوره توترات مرتبطة بالصراع الإقليمي.
ولا تسيطر جماعة الحوثيين حاليا على المناطق المطلة مباشرة على باب المندب، لكنها تفرض سيطرتها على مدينة الحديدة وأجزاء واسعة من الساحل الغربي، كما استخدمت المناطق الخاضعة لها في شمال اليمن خلال السنوات الماضية منصة لشن هجمات على حركة الملاحة التجارية في البحر الأحمر.
باب المندب.. بوابة التجارة بين آسيا وأوروبا
ويكتسب أي تقدم عسكري باتجاه باب المندب أهمية تتجاوز حدود الصراع اليمني، نظرا إلى الموقع الاستراتيجي للمضيق الذي يفصل بين اليمن والقرن الإفريقي، ويربط خليج عدن وبحر العرب بالبحر الأحمر.
ويمثل المضيق جزءا أساسيا من طريق التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا، إذ تتجه السفن عبر البحر الأحمر شمالا نحو قناة السويس والبحر المتوسط. ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في هذه المنطقة يمكن أن ينعكس مباشرة على حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة.
وتضاعفت أهمية باب المندب خلال السنوات الأخيرة بعدما تحوّل منذ عام 2023 إلى بؤرة لهجمات متكررة استهدفت سفنا تجارية، بالتزامن مع الحرب في غزة، ما دفع شركات شحن دولية إلى إعادة توجيه جزء من حركة الملاحة بعيدا عن البحر الأحمر، ورفع كلفة ومدة الرحلات بين آسيا وأوروبا.
صراع داخلي يهدد أمن البحر الأحمر
وتأتي هذه التطورات في بلد لا يزال يعيش انقساما سياسيا وعسكريا عميقا منذ أكثر من عقد. فالحوثيون يسيطرون على صنعاء ومناطق واسعة من شمال اليمن، فيما تفرض الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا نفوذها على مناطق أخرى، بينها أجزاء من الساحل الغربي.
ورغم أن الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022 خفّضت بصورة كبيرة مستوى العمليات القتالية، فإنها لم تتحول إلى اتفاق سلام دائم. وانتهت الهدنة رسميا في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، إلا أن القتال الواسع بقي محدودا نسبيا خلال السنوات التالية.
ويثير تجدد التوتر مخاوف من انزلاق اليمن مجددا إلى مواجهة واسعة، في وقت تتشابك فيه الساحة اليمنية بصورة متزايدة مع الصراعات الإقليمية، بما يجعل المناطق القريبة من باب المندب ذات أهمية خاصة بالنسبة إلى أمن الملاحة في البحر الأحمر.
التوتر مع السعودية يفتح جبهة جديدة
وتزامنت التطورات الأخيرة مع عودة التوتر بين الحوثيين والسعودية إلى الواجهة، بالتزامن مع تصاعد المواجهة الإقليمية بين الولايات المتحدة وإيران.
وبدأ التصعيد بعدما اتهم الحوثيون الرياض باستهداف مطار صنعاء بهدف منع طائرة إيرانية من الهبوط فيه. وفي 20 تموز/يوليو، أعلنت الجماعة ما وصفته بـ”حصار بحري” على السعودية، مهددة السفن المرتبطة بالموانئ السعودية.
وأعقب ذلك استئناف هجمات استهدفت ناقلات ومنشآت نفطية سعودية، في تطور أعاد التوتر إلى مستوى جديد بعد سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة 2022. في المقابل، تنفي السعودية اتهامات الحوثيين بفرض حصار على اليمن.
البحر الأحمر.. خط دفاع بديل للطاقة
وتتزامن أهمية باب المندب مع اضطرابات متزايدة في مضيق هرمز، ما يضيف بعدا اقتصاديا واستراتيجيا جديدا للتطورات في البحر الأحمر.
ففي ظل تعطل جزء من حركة الشحن عبر هرمز بسبب الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، تزداد أهمية الممرات والبنية التحتية النفطية السعودية المطلة على البحر الأحمر، باعتبارها مسارا يمكن أن يوفر بديلا لتصدير جزء من الطاقة بعيدا عن الخليج.
لكن تحول باب المندب إلى نقطة توتر جديدة قد يقوض هذه الميزة، إذ إن تعزيز الحوثيين حضورهم قرب المضيق من شأنه أن يضيف بؤرة ضغط ثانية على طرق الطاقة والتجارة العالمية.
