يعيش نحو 24 بحاراً تجارياً حالة من الانتظار القسري منذ أربعة أشهر على متن السفينة “إم إس سي فرانشيسكا”، المحتجزة في مياه الخليج العربي قبالة السواحل الإيرانية، على بعد نحو 4 أميال من الساحل، تحت مراقبة حراس إيرانيين، وسط غموض يحيط بموعد الإفراج عنهم.
واستولت إيران على السفينة في 22 أبريل (نيسان) أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز، فيما ينتمي أفراد طاقمها إلى دول عدة بينها الجبل الأسود وإندونيسيا والفلبين، ويواجهون عزلة عن العالم الخارجي بسبب القيود المفروضة على الاتصالات.
وقال شخص مطلع على الأوضاع داخل السفينة إن البحارة “لا يملكون أي وسيلة للتواصل، باستثناء 30 دقيقة من الإنترنت كل بضعة أيام”، في وقت تستمر فيه المساعي الدبلوماسية لإطلاق سراح السفينة وطاقمها.
آلاف البحارة عالقون
لا تقتصر أزمة “فرانشيسكا” على طاقمها فقط، إذ أصبح آلاف البحارة في الشرق الأوسط عالقين بسبب تصاعد التوترات والهجمات البحرية.
وأدت الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط)، وما أعقبها من إغلاق إيران لمضيق هرمز، إلى تقطع السبل بنحو 1500 سفينة وحوالي 20 ألف بحار، وفق المنظمة البحرية الدولية.
ورغم تمكن العديد من السفن لاحقاً من مغادرة الخليج العربي خلال فترات سمحت فيها الظروف بذلك، قالت المنظمة إن نحو 6 آلاف بحار ما زالوا عالقين، ويواصلون أعمال الصيانة والمراقبة وفحص الشحنات من دون وسيلة آمنة للعودة إلى بلدانهم.
وتراجعت حركة العبور في مضيق هرمز إلى ما يزيد قليلاً على 12 سفينة يومياً، مقارنة بمتوسط سابق بلغ نحو 130 سفينة يومياً قبل اندلاع الحرب.
مخاطر متزايدة في البحر
أصبحت السفن التجارية في المنطقة جزءاً من تداعيات الصراع، بعدما شهدت المياه المحيطة بمضيق هرمز سلسلة من الهجمات.
وتعرضت سفينة الشحن “مينوان بايونير”، المملوكة لجهة يونانية، لضربة قرب سلطنة عمان، وظل أحد أفراد طاقمها مفقوداً، وفق المنظمة البحرية الدولية.
ومنذ بدء الحرب على إيران، قتل 17 بحاراً في 64 هجوماً حول مضيق هرمز، حيث جاءت معظم الوفيات نتيجة ضربات إيرانية، بينما قتل ثلاثة بحارة بعدما استهدفت البحرية الأميركية سفينة في يونيو (حزيران). كما استهدفت جماعة الحوثيين في اليمن سفناً بالبحر الأحمر، فيما اندلعت حرائق الأسبوع الماضي في سفينتين بعد انفجار وقع في ميناء دمياط المصري.
“إم إس سي” في قلب الأزمة
دخلت “فرانشيسكا” الخليج العربي في 22 فبراير، وهي مملوكة لشركة البحر المتوسط للملاحة “إم إس سي” التي تتخذ من جنيف مقراً لها، وتعد أكبر شركة لشحن الحاويات في العالم.
وكان بعض أفراد الطاقم قد صعدوا إلى السفينة قبل أسابيع من احتجازها، وفق قائمة بأسماء البحارة اطلعت عليها صحيفة “نيويورك تايمز”، بينما لم تعلق الشركة على القضية.
وتأسست “إم إس سي” عام 1970 على يد جانلويجي أبونتي، وهو قبطان سفينة إيطالي، قبل أن تتحول إلى شركة عالمية تمتلك أكثر من 1000 سفينة حاويات وتدير نحو 300 مسار تجاري.
وفي عام 2022، تجاوزت الشركة العملاق الدنماركي “ميرسك” لتصبح أكبر شركة لشحن الحاويات عالمياً، بعد طفرة شهدها القطاع خلال جائحة “كوفيد-19”. ومع توفر السيولة، وسعت الشركة أسطولها وأنشطتها، واستحوذت على مستشفيات وموانئ وشركة للسكك الحديدية فائقة السرعة في إيطاليا.
وفي العام الماضي، نقل أبونتي، الذي تتجاوز ثروته 50 مليار دولار وفق “بلومبرغ”، ملكية الشركة إلى ابنه وابنته دييغو وأليكسا أبونتي.
مفاوضات للإفراج عن الطاقم
تبحر “فرانشيسكا” تحت علم بنما، التي قادت جهود التفاوض للإفراج عن السفينة وطاقمها وفق الأعراف البحرية.
وقالت جينيت تيستا، سفيرة بنما لدى المنظمة البحرية الدولية، في 21 يوليو (تموز): “طرأ بعض التحسن على الوضع”، لكنها رفضت تقديم تفاصيل إضافية بسبب حساسية المفاوضات.
وأفرج عن بحارين كرواتيين من طاقم السفينة، وفق وزارة الخارجية الكرواتية، فيما قال رومانو بيريتش، منسق نقابة البحارة الكرواتيين، إن البحارة الذين كانوا على متن “فرانشيسكا” تلقوا معاملة جيدة وكانت لديهم كميات كافية من الغذاء.
وأضاف أن أفراد الطاقم تمكنوا في البداية من استخدام هواتفهم بصورة منتظمة نسبياً، قبل فرض قيود لاحقة على الاتصالات.
وفي سويسرا، حيث يقع مقر “إم إس سي”، قال المتحدث باسم الحكومة بيير ألان إلتشينغر إن “القنوات الدبلوماسية تُستخدم” لضمان الإفراج عن السفينة، من دون تقديم تفاصيل أخرى.
سفينة ثانية محتجزة
في اليوم نفسه الذي احتجزت فيه إيران “فرانشيسكا”، استولت أيضاً على سفينة حاويات أخرى هي “إبامينونداس”، وفق بيانات أقمار اصطناعية لشركة “تانكر تراكرز”.
وتنتمي السفينة إلى أسطول “إم إس سي” بموجب اتفاق استئجار، وتبحر تحت العلم الليبيري. وأعلنت إدارة العمال المهاجرين في الفلبين الإفراج عن عدد من أفراد طاقمها، مشيرة إلى خضوع البحارة الفلبينيين لتقييمات طبية ونفسية بعد تجربتهم الصعبة.
معاناة وظروف قاسية
قال محمد الرشيدي، منسق شبكة الاتحاد الدولي لعمال النقل في العالم العربي وإيران، إن البحارة العالقين في الخليج يشعرون بأنهم “متروكون تماماً، ومن دون أي حماية على الإطلاق”.
وأوضح أن الأزمة أثرت على أوضاعهم المالية ونومهم وصحتهم النفسية، مشيراً إلى أن بعض البحارة قالوا إنهم لا يتناولون سوى الأرز والعدس مرة واحدة يومياً بسبب محدودية الغذاء.
وأضاف أن أحد البحارة كان ينام مرتدياً ملابسه حتى يكون مستعداً لإخلاء السفينة سريعاً إذا تعرضت لهجوم.
ورغم إمكانية نقل أفراد الطواقم إلى موانئ قريبة تمهيداً لإعادتهم جواً إلى بلدانهم، فإن عمليات الإجلاء نادرة بسبب الحاجة إلى تعاون سلطات الهجرة في الدول المجاورة.
وقالت هيلين سامبسون، الأستاذة الفخرية في جامعة كارديف، إن كثيراً من البحارة يعملون بعقود قصيرة الأجل، ما يجعل بعضهم يتردد في رفض الرحلات الخطرة خوفاً من فقدان فرص العمل مستقبلاً.
مصير مجهول
قبل احتجاز سفينتي “إم إس سي” في أبريل، كانت نحو 30 سفينة قد تعرضت لهجمات، بينها سفينة حاويات مملوكة لشركة “سي إم إيه سي جي إم” الفرنسية المنافسة لـ”إم إس سي”.
وأكدت المنظمة البحرية الدولية أن “فرانشيسكا” و”إبامينونداس” ما زالتا في المياه الإيرانية وعلى متنهما بحارة، مشيرة إلى استمرار المناقشات بين الأطراف المعنية للإفراج عنهما، رغم تعقيدها بسبب النزاع الجيوسياسي.
وقالت بحرية الحرس الثوري الإيراني إن السفينتين أبحرتا “من دون التصاريح اللازمة”، وإنهما جرى توجيههما نحو الساحل الإيراني، فيما تؤكد بيانات “تانكر تراكرز” استمرار وجودهما في المياه الإيرانية.
