إيناس محمد
مهما كان نوع المنتج أو الحاجة إليه، تجد أن المنتجات المصنوعة يدويا
“Hand Made” هي الأغلى ثمنا وربما بأضعاف سعر المنتج المشغول آليًّا..
ما ينطبق على عالم الحرف اليدوية يبدو أنه طغى حتى على الحِرَف الإبداعية؛ فالتغيير الذي بدأ مع ظهور الإنترنت ومحركات البحث في أوائل التسعينيات، وتحديداً مع إطلاق محرك البحث “آرتشي” (Archie) عام 1990، والذي بدأ ثورة في عالم الأبحاث والمعرفة اختصرت مشاقّ رحلة التفتيش بين أمهات الكتب وكبريات المكتبات إلى ثوان معدودة كل ماعليك بذله خلالها من جهد؛ بضع نقرات على لوحة المفاتيح تكتب فيها سؤالك أو موضوع بحثك، ليتحول غوغل أو غيره من المتصفحات إلى ما يشبه مارد المصباح، يجمع كل ما تتمناه وما لم يخطر على بالك من إجابات ومراجع ومناقشات ومنشورات تخص إجابة سؤالك..
وهكذا وصلنا لليوم الذي تغلغلت فيه الآلة إلى ما تبقى من مهن إبداعية، ورأينا وسمعنا أغان ألّفها ولحنها ووزعها وغناها.. المبدع المتألق الجديد الملقب اختصارا AI وشهرته “الذكاء الاصطناعي”
وعلى المسار نفسه يقتحم هذا المبدع – اللامتناهي القدرات والمواهب – عالم الكتابة والصحافة، ليلغي التفرد والتميز الذي لطالما احتفى به كبار الصحفيين والكتاب .
حتى أنه تمادى لأن يتحول لنسخة منك وما عليك سوى أن تعطيه الأمر بحفظ أسلوبك في الكتابة ثم تأمره بأن يكتب بطريقتك وأسلوبك مقالا أو نص فيديو وتتشرط عليه بما تود وترغب من شواهد ومحددات وزمن وعدد كلمات، وتنتظر لبضع ثوان.. بضع ثوان فقط وينبثق نص فيه ما أمرت وما اشتهيت من لمسات إبداعية، ليش هذا فقط بل يتحول إلى مساعد شخصي يقترح عليك أفكارا أو صورا تزيد نصك تماسكا وجاذبية.
هذه الميزات وغيرها مما لا نستطيع حصره بسبب التطور البالغ التسارع سهّلت عمل الصحافيين وزادت من قدرتهم الإنتاجة حتى أن بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي باتت تكتب وتقوم بالمونتاج والنشر أيضا على منصات التواصل..
لكن..
هل تخطت هذه التطبيقات المشكلة التي واجهت مستخدمي متصفحات البحث سابقا حول المصداقية وموثوقية المعلومات؟
رغم أن مؤسسي هذه التطبيقات يحاولون جاهدين الوصول إلى مستوى الإبداع البشري وأفضل مستوى لدقة المعلومات التي تقدمها إلا أنها ما زالت في بداية الطريق
ووفقاً لأحدث البيانات والتقارير لعام 2026،
تربع جوجل جيميني (Gemini 3.1 Pro/Ultra) على عرش الموثوقية والدقة
بينما اعتبرClaude (Anthropic) – Opus 4.6 الأفضل في الكتابة الإبداعية والتحليل البرمجي والمنطقي الدقيق،
فيما حافظ ChatGPT (OpenAI) – GPT-5.4 على الصدارة في الاستراتيجيات المعقدة والبحث العميق، ويحتل المرتبة الأولى من حيث عدد المستخدمين والشعبية.
ورغم أن كشف النص الاصطناعي لا يزال سهلا بالنسبة لمحترفي الكتابة فعبارات مثل ” في عالمنا اليوم، لا شك أن، النتيجة ، الخلاصة.. وغيرها” تساعد المدراء والمشغلين في معرفة مصدر النص اصطناعي أم طبيعي؛ إلا أن هذا التمييز كما يبدو لن يستطيع حماية الإبداع الصحفي من التحول إلى منتج آلي مثل أي منتج آخر شكّلته آله جامدة، ولن يستطيع تقدير الصحفي الذي يُسيل ينابيع أفكاره على الورق أو ملف word كالنسّاج الذي يحول خيوطا متشابكة بلا معنى إلى سجادة تضج بالفن وتنطق بالإبداع .
و بما أن الصحافة مهنة لـ”كسب الرزق” فالسؤال الأهم.. كيف ستُحدد تسعيرة المادة الصحفية الـ “Hand Made”، هل ستكون كغيرها من المنتجات مقدّرة ماديا أم ستفقد قيمتها أمام الإبداع الاصطناعي؟
