كشفت شبكة “يورونيوز”، استناداً إلى معلومات حصرية من مصدر مطلع فضل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، عن ديناميكيات معقدة ومتباينة الدوافع تشهدها الأسواق العقارية في المناطق الحدودية بين سوريا والجولان المحتل.
فبينما دفع “الخوف الأمني” سكان المدن السورية الداخلية للشراء هرباً من الفوضى، قاد “رهان اقتصادي مستقبلي” أهالي الجولان المحتل نحو الاستثمار في الأراضي السورية، وذلك بالتزامن مع توسع عسكري إسرائيلي ممنهج تحت غطاء خدماتي.
وجاءت هذه التطورات في أعقاب انهيار نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، الذي أدى خلال 48 ساعة فقط إلى زوال المنطقة العازلة التي كانت تراقبها قوات الأمم المتحدة “الأوندوف”، وتوغّل القوات الإسرائيلية لمسافة 350 كيلومتراً مربعاً داخل الأراضي السورية، في أول اختراق بري كبير منذ حرب 1973، محوّلاً الحدود إلى ساحة لتمدد غير مسبوق.
دوافع متباينة: فرار من الموت مقابل رهان على المعابر
وفقاً للمصدر الذي تحدث لـ”يورونيوز”، فإن النشاط العقاري الملحوظ في قريتي “حضر” و”عين التينة” بمحافظة القنيطرة يضم فئتين مختلفتين تماماً في دوافعهما:
أما الفئة الأولى، فتضم سكاناً من مدن سورية داخلية مثل جرمانا وصحنايا والسويداء. ويؤكد المصدر أن دافع هؤلاء هو “أمني بحت”؛ فهم يبحثون عن “ملاذ آمن” بعيداً عن الاضطرابات الداخلية والمجازر التي طالت مناطقهم سابقاً، ويسعون لتجنب حياة النزوح والضيافة المؤقتة عبر امتلاك منازل دائمة في منطقة يرونها أكثر استقراراً نسبياً.
في المقابل، تأتي الفئة الثانية من أهالي بلدة “مجدل شمس” في الجولان المحتل، ودوافعهم تختلف جذرياً. فبالإضافة إلى الرغبة في الاستقرار، يقود هؤلاء “رهان استراتيجي” على المستقبل؛ حيث يشترون الأراضي توقعاً لإمكانية إزالة الشريط الحدودي مستقبلاً وفتح المعابر المغلقة حالياً.

ويهدف هذا الرهان إلى تمكينهم لاحقاً من العبور بحرية والعمل في أراضيهم الجديدة الممتدة على الجانب السوري، وهو ما يفسر اتجاه بعضهم لشراء قطع أراضٍ صغيرة للبناء، بينما يخطط آخرون لإنشاء عمارات متعددة الطوابق استعداداً لحياة اقتصادية نشطة عبر الحدود.
ونفى المصدر وجود أي مستثمر إسرائيلي مباشر في المنطقتين، عازياً ذلك إلى ضغط شعبي محلي يفرض حصر المشاريع التنموية بأهل المنطقة فقط.
وارْتفعت أسعار الأراضي بشكل جنوني نتيجة لهذا الطلب المزدوج، حيث يتراوح سعر الدونم الواحد (1000 متر مربع) في عين التينة حالياً بين 50 و100 ألف دولار أمريكي.
وللتغلب على القيود الحدودية الحالية، يلجأ أهالي مجدل شمس إلى آلية غير مباشرة تتمثل في تحويل الأموال لأقاربهم المقيمين في “حضر” ليتولوا الشراء نيابة عنهم.
واقع حدودي مشدّد: 15 دقيقة عبور كل ست ساعات
رغم حركة الأموال والآمال بفتح المعابر، يصف المصدر الواقع الحالي بأنه “مغلق تماماً” أمام المدنيين، حيث لا يزال السلك الفاصل قائماً ولا تعبر البوابات سوى الآليات العسكرية. ويُمنع التنقل الحر بين أهالي مجدل شمس وقريتي حضر وعين التينة منعاً باتاً.
الاستثناء الوحيد يُمنح لحاملي الهوية السورية المدوّن عليها “مواليد الجولان”، الذين يُسمح لهم بالدخول للعمل في أراضيهم. أما الباقون فيواجهون إجراءات معقدة لاستخراج تصاريح إسرائيلية قد تستغرق ما بين شهرين وثلاثة أشهر.
وحتى عند الموافقة، تخضع الحركة لدقائق معدودة؛ تُفتح البوابة لمدة 15 دقيقة فقط لدخول العمال، ثم تغلق لست ساعات كاملة قبل أن تُفتح مجدداً لمدة ربع ساعة للسماح لهم بالعودة، في مشهد يعكس التحكم الدقيق في حركة البشر رغم تملكهم للأرض.

استراتيجية مزدوجة: عيادات مجانية واعتقالات تعسفية
على الأرض، تنتهج إسرائيل سياسة تجمع بين “الترغيب والترهيب”. فقد أقامت القوات الإسرائيلية نقاطاً عسكرية حول تلة “7 نيسان” في عين التينة، التي كانت جسراً بصرياً للتواصل بين العائلات المقسمة، كما عززت وجودها حول بلدة حضر.
وفي محاولة لكسب ود السكان، دشنت تل أبيب نقاطاً طبية متقدمة تقدم علاجات وفحوصات مجانية يعمل فيها أطباء إسرائيليون ومترجمون، مع خطط لبناء مركز جراحي متكامل.
غير أن هذه الخدمات لا تخفي حالة الرعب التي تسكن السكان. يكشف المصدر عن ممارسة منهجية للترهيب تشمل قدرة القوات الإسرائيلية على اعتقال أي شخص في أي وقت، حتى من داخل منزله. وأفاد بأن هناك أشخاصاً من سكان “حضر” معتقلين لدى السلطات الإسرائيلية منذ نحو عامين “دون أي معلومات عن مصيرهم”.
ويشرح المصدر أن السبب الأساسي لتعامل بعض الأهالي مع الجانب الإسرائيلي في هذه المناطق هو “خوفهم من السلطة في دمشق”، خصوصاً بعد ما تعرضت بلدات مثل جرمانا وصحنايا والسويداء لمجازر. ويرى هؤلاء في إسرائيل “ملاذاً آمناً” من هجمات مشابهة، لكنها في الوقت نفسه “تفرض عليهم واقعاً جديداً” مليئاً بالمخاطر.

وفي هذا السياق، يشدد المصدر على أن غالبية أهالي جبل الشيخ وحضر يرفضون التواجد الإسرائيلي في قراهم، وينظرون إليه كـ”واقع مفروض” لم يعتادوه.
وكشف عن انتشار دعوات بين سكان القرى تنادي إلى “رفض تسليم السلاح لإسرائيل وتؤكد على اعتبارها عدواً”، مما يشير إلى أن القبول الظاهري بالخدمات الطبية لا يعني خضوعاً أو رضاً بالحكم الإسرائيلي.
ويوضح أن إسرائيل تسعى لسحب السلاح من الأهالي لفرض أمنها الخاص بدون مقابل.
أما بخصوص علاقة الأمن العام التابع لحكومة دمشق بأبناء القرى وجبل الشيخ، فيؤكد المصدر أنها “جيدة” ولم تعد كما كانت تُسوَّق سابقاً، مشيراً إلى أن الواقع الجديد الذي تدفع إسرائيل نحوه هو “مرفوض من الأهالي”.
توثيق آلاف الانتهاكات واستراتيجية “الخنق الصامت“
تتقاطع شهادة المصدر مع بيانات موثقة نشرها موقع “ميدل إيست آي” نقلاً عن مركز “سِجِل” السوري للرصد والأبحاث، الذي أحصى 1672 انتهاكاً إسرائيلياً داخل الأراضي السورية بين أغسطس/آب 2025 ومايو/أيار 2026.
وتصاعدت هذه الانتهاكات بشكل حاد بعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، مسجلة في مارس/آذار 2026 وحده 321 عملية عسكرية شملت 121 غارة جوية واعتقال 41 مدنياً.
ويصف حمزة غضبان، رئيس مركز “سِجِل”، الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة بأنها “خنق صامت”، تحولت فيه تل أبيب من الاجتياحات الواسعة إلى شبكة دائمة من المداهمات ونقاط التفتيش التي تشكل مثلثاً عملياتياً يمتد 15 كيلومتراً داخل العمق السوري.
وقد رافق ذلك تجريف واسع للأراضي؛ ففي جباتا الخشب وحدها، دُمرت 2500 دونم من الغابات لإنشاء قاعدة محصنة، بينما هُدمت 16 منزلاً في الحميدية خلال 50 يوماً فقط.
حدود ذكية ورش كيميائي لإفراغ الأرض
وتتجاوز الخطط الإسرائيلية البناء التقليدي؛ إذ وثق المركز عمليات رش جوي لمواد كيميائية مجهولة على طول 65 كيلومتراً من الخط الفاصل، دمّرت آلاف الدونمات من المراعي والأحراج، في خطوة يراها غضبان محاولة لـ”تهجير سكاني صامت” عبر تدمير مصادر الرزق.
وعلى المدى البعيد، تستعد إسرائيل لترسيم هذا الوجود بشكل دائم؛ ففي أوائل 2026، أطلقت مشروعاً ضخماً بقيمة 1.7 مليار دولار لبناء “حاجز الحدود الشرقية الأمني”.
وكشف تحليل مالي لصفقة بقيمة 80 مليون دولار مع شركة “أونداس هولدينغز” الأمريكية أن عمليات إزالة الألغام هي مجرد غطاء لإنشاء “حدود ذكية” تعتمد على الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة وشبكات الاستشعار، ترتبط بطريق عسكري موازٍ للحدود أطلق عليه اسم “سوفا 53”.
تصريحات علنية وصمت أممي
لم تعد نوايا إسرائيل سرّاً؛ فبينما أكد وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن جيشه “لن ينسحب مليمتراً واحداً”، ذهب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى أبعد من ذلك في أبريل 2026، مطالباً بتسوية سياسية تشمل ضم “تاج جبل الشيخ والمنطقة العازلة”.
في المقابل، يبدو المجتمع الدولي عاجزاً؛ فمندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي اكتفى بتوجيه اتهامات لمجلس الأمن حول “ترويع المدنيين والاختفاء القسري”، دون فعل يذكر.
أما على الأرض، فلم تقدم الحكومة السورية الجديدة تعويضات تذكر للمتضررين، رغم بوادر تغيير محدودة ظهرت بعد مقتل فتى في غارة إسرائيلية في أبريل الماضي، دفعت مسؤولين سوريين لزيارة المنطقة وإصلاح بعض الطرق، في خطوة وصفها مراقبون بأنها الأولى من نوعها منذ سنوات.
