دفع الاستهلاك الكبير لصواريخ الدفاع الجوي خلال الحربين في إيران وأوكرانيا الولايات المتحدة وحلفاءها إلى تسريع تطوير جيل جديد من صواريخ الاعتراض الأقل كلفة والأسرع إنتاجاً، بعدما كشفت المعارك أن مخزونات المنظومات الحالية يمكن أن تنفد بوتيرة تتجاوز قدرة المصانع على تعويضها.
ووفق تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، أطلقت القوات الأميركية خلال الحرب في إيران ما بين 1060 و1430 صاروخاً من منظومة “باتريوت”، من أصل مخزون كان يقدر بنحو 2330 صاروخاً، أي ما يعادل نحو 45 إلى 61 بالمئة من إجمالي المخزون.
ويبلغ سعر صاروخ “PAC-3 MSE”، أحدث نسخ منظومة “باتريوت”، نحو 3.9 مليون دولار، ما يعني أن قيمة الصواريخ المستخدمة وحدها وصلت إلى مليارات الدولارات، من دون احتساب تكاليف تشغيل البطاريات والرادارات وبقية المنظومات.
ويحذر المركز الأميركي من أن إعادة المخزونات إلى مستوياتها السابقة ستستغرق سنوات، فيما نقلت “رويترز” عن تقديراته أن الجيش الأميركي بات يمتلك أقل من ألف صاروخ “باتريوت”، إلى جانب أقل من 250 صاروخاً لمنظومة “ثاد”.
استثمارات أميركية لزيادة الإنتاج
ورداً على الضغوط التي فرضها الاستهلاك المرتفع، منحت واشنطن شركة “لوكهيد مارتن” عقداً يمتد سبع سنوات، تصل قيمته القصوى إلى 58.6 مليار دولار، لإنتاج صواريخ “PAC-3 MSE” بين عامي 2026 و2032.
وتقول الشركة إنها تخطط لمضاعفة طاقتها الإنتاجية ثلاث مرات بحلول نهاية عام 2030، لتصل إلى نحو ألفي صاروخ سنوياً، بالتزامن مع توسيع مصنعها في ولاية أركنساس.
ومع ذلك، فإن قيمة العقد تمثل الحد الأقصى المحتمل وليست إنفاقاً مضموناً بالكامل، إذ لا تزال الكميات النهائية وجداول التسليم قيد التفاوض، كما يتطلب توسيع الإنتاج موافقة الكونغرس على التمويل، إلى جانب توفير سلاسل توريد قادرة على تأمين المحركات والباحثات والمكونات الإلكترونية.
صاروخ جديد بكلفة أقل
وبالتوازي مع خطط زيادة الإنتاج، كشفت “لوكهيد مارتن” عن صاروخ اعتراض جديد يحمل اسم “PAC-3 ACE”، قالت إن سعره سيكون أقل من نصف كلفة الصاروخ الحالي، ليبلغ نحو مليوني دولار أو أقل.
وسيعمل الصاروخ الجديد مع بطاريات “باتريوت” الحالية، ويستهدف الطائرات وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية القصيرة وبعض المتوسطة المدى، على أن يبدأ إنتاجه الأولي، وفق الجدول المعلن، في عام 2028.
لكن الشركة أوضحت أن “ACE” لا يمثل بديلاً كاملاً لصاروخ “PAC-3 MSE”، إذ جرى خفض مواصفات بعض المكونات مرتفعة الكلفة، من بينها المحركات والباحثات، بهدف تقليل النفقات. كما أنه غير مصمم لاعتراض الطائرات المسيّرة، ولم يخضع حتى الآن لاختبارات قتالية أو تشغيلية تؤكد قدراته المعلنة.
وبذلك، يُتوقع أن يستخدم الصاروخ الجديد لمواجهة التهديدات الأقل تعقيداً، مع الإبقاء على النسخة الأعلى كلفة للتعامل مع الصواريخ الباليستية الأكثر تطوراً.
مشروع أوروبي أوكراني منافس
وفي المقابل، تراهن أوكرانيا على مشروع دفاعي أوروبي مشترك يحمل اسم “FREYJA”، تشارك فيه إلى جانب تسع دول أوروبية، بهدف تطوير منظومة دفاع باليستي تقلل الاعتماد على الولايات المتحدة.
ويتولى الجانب الأوكراني تطوير صاروخ الاعتراض “FP-7.X”، بينما توفر الدول الأوروبية المشاركة الرادارات وأنظمة التتبع والقيادة والسيطرة، وتشمل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا والدنمارك والنرويج والسويد.
ويقول مطورو المشروع إن الصاروخ سيكون قادراً على اعتراض الأهداف الباليستية على ارتفاع يقارب 24 كيلومتراً، بكلفة مستهدفة تبلغ نحو 700 ألف دولار، أي ما يعادل قرابة خُمس سعر صاروخ “باتريوت”، مع استهداف إنتاج ثلاثة صواريخ يومياً وتقديم نموذج عملياتي خلال عام 2027.
غير أن هذه الأهداف لا تزال ضمن مرحلة التطوير، إذ لم ينفذ النظام حتى الآن أي اعتراض باليستي معلن يثبت أداءه، كما أن الكلفة المعلنة لا تشمل بالضرورة الرادارات ومنظومة القيادة والإطلاق والبنية اللوجستية الكاملة.
ويعكس هذا التوجه تحولاً في أولويات برامج الدفاع الجوي، إذ لم يعد التفوق مرتبطاً فقط بامتلاك أكثر الصواريخ تطوراً، بل بالقدرة على إنتاج أعداد كبيرة منها بسرعة وبكلفة تتيح استمرار عمليات الاعتراض خلال الحروب الطويلة.
وبذلك، يبقى الاختبار الفعلي لكل من “PAC-3 ACE” و”FREYJA” مرتبطاً بقدرتهما على اعتراض صواريخ باليستية حقيقية وتكرار ذلك بكميات كافية، قبل أن تواجه المخزونات تحدياً جديداً.
