لم تعد الحروب تُدار بالخرائط والمناظير وحدها. تشهد ساحات القتال الحديثة تحولاً صامتاً في آليات جمع المعلومات واتخاذ القرار العسكري، حيث تتصاعد وتيرة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة في تحديد الأهداف وإدارة العمليات الميدانية.
وفي قلب هذا التحول، تبرز قصة أحمد ترمس، الذي قُتل بصاروخين بعد أقل من 30 ثانية من تشغيله سيارته في جنوب لبنان. لحظة استهداف واحدة أصبحت، وفق تقارير صحفية وتحقيقات ميدانية، نموذجاً يُستشهد به في النقاش حول تداخل الحياة اليومية بالبنية الاستخباراتية العسكرية، وكيف تتحول التفاصيل الشخصية إلى عناصر داخل “ملفات أهداف” تديرها الخوارزميات.
ويقول خبراء في تحليل البيانات العسكرية إن أنظمة الاستهداف المعاصرة تدمج كميات ضخمة من المعلومات من مصادر متعددة: هواتف محمولة، كاميرات مراقبة، إشارات واي فاي، بيانات مرور، سجلات مدنية، إضافة إلى أدوات لاعتراض الإشارات ومحاكاة شبكات الاتصالات.
هذه البيانات الخام تدخل إلى أنظمة تحليل متقدمة تربط الهوية الرقمية لكل فرد بسلسلة من الأنشطة اليومية والعلاقات الاجتماعية والأنماط السلوكية، منتجة “ملفاً سلوكياً” مفصلاً.
وفي حالة ترمس، تشير المعلومات المتداولة إلى ارتباطات عائلية مباشرة بحزب الله، حيث قُتل أحد أبنائه سابقاً وأُصيب آخر في عمليات استهدفت عناصر من الحزب.
من أسابيع إلى ثوانٍ.. خوارزميات تختصر دورة القرار العسكري
تكشف مصادر مطلعة، بحسب ما نقلته “جيروزاليم بوست”، أن هذه المنظومات قادرة على تقليص زمن تحليل الهدف من أسابيع إلى ثوانٍ، عبر أتمتة واسعة لعمليات التقييم واتخاذ القرار.
وتتولى خوارزميات الذكاء الاصطناعي مقارنة الأنماط السلوكية للأفراد بنماذج معروفة لعناصر مسلحة، مصنفة مسبقاً. وتعتمد الآلية على تراكم مؤشرات غير مباشرة مثل مكان الإقامة وشبكات العلاقات وأنماط التنقل وسلوك الاتصالات والانحرافات عن الروتين اليومي، لإنتاج تقديرات احتمالية لـ”مستوى التهديد” لكل فرد.
ويجعل هذا المسار القرار النهائي مبنياً على مخرجات إحصائية أكثر من كونه قائماً على أدلة مباشرة.
“تشابه سلوكي” بدل الدليل المباشر
يثير هذا النمط من الاستهداف قلقاً متصاعداً في الأوساط القانونية والأكاديمية، خصوصاً فيما يتعلق بقدرة الأنظمة الآلية على التمييز بين المدنيين والمقاتلين. ويحذر باحثون من أن الاعتماد على مؤشرات غير مباشرة كالعلاقات العائلية أو القرب الجغرافي أو التشابه السلوكي، بدلاً من الأدلة المباشرة، يزيد من احتمالات الخطأ في سياقات قتالية عالية التعقيد.
ولا يُعد توظيف البيانات في العمليات العسكرية جديداً كلياً، فقد اعتمدت جيوش عدة، بينها الجيش الأميركي في العراق وأفغانستان، على تحليل بيانات الاتصالات. لكن التطور التكنولوجي حوّل هذه الأدوات إلى أنظمة أكثر تعقيداً تسعى لاستباق الأحداث عبر تحليل الأنماط السلوكية والتاريخية.
مكالمة أخيرة و30 ثانية بين الحياة والموت
تروي عائلة أحمد ترمس أنه تلقى مكالمة قبل مقتله مباشرة، أدرك بعدها أنه قد يكون مستهدفاً. عاد إلى المنزل وأوقف هاتفه ثم أعاد تشغيله لاحقاً. وبعد دقائق، غادر بسيارته.
ولم تمضِ 30 ثانية حتى استهدفت المركبة بصاروخين أدى انفجارهما إلى مقتله على الفور. قصة واحدة تختزل ملامح حرب قادمة لا يُطلق فيها الرصاص بناءً على ما تفعله، بل بناءً على ما تتوقعه الخوارزمية منك.
ويعيش جنوب لبنان أصلاً تحت حركة مكثفة للطائرات المسيّرة التي يُعتقد أنها تجمع بيانات مستمرة عن الأشخاص والمركبات وأنماط الحركة اليومية.
