تقف الأرجنتين أمام مفترق طرق تاريخي في كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة، محاولة تحقيق إنجاز نادر لم يسبق لأي منتخب تحقيقه خارج قارته الأم: الاحتفاظ بلقب المونديال في بطولة تقام على مسافة شاسعة من أرض الوطن.
فبينما نجحت إيطاليا (1938) والبرازيل (1962) في تكرار الفوز، جاء ذلك على أرضهما أو في قارتهما، مما يجعل رحلة “راقصي التانغو” الحالية تحدياً غير مسبوق للإحصائيات التي تشير إلى أن نسبة احتفاظ الأبطال بألقابهم لا تتجاوز 9.09% منذ عام 1930.
ومع ذلك، تصل الأرجنتين كواحدة من أبرز المرشحين، مدعومة بسلسلة انتصارات مذهلة ضمت كأس العالم 2022 وكوبا أمريكا 2021 و2024، محولة الفوز إلى عادة راسخة لدى جيل حقق ما عجزت عنه أجيال سابقة منذ 1993.
دور ميسي المتطور وظهور بدائل فتاكة
رغم اقتراب ليونيل ميسي من سن التاسعة والثلاثين، إلا أن الأرجنتين نجحت في بناء منظومة هجومية لا تعتمد كلياً على سحره، مما يخفف العبء عن الأسطورة في نسخته السادسة بالمونديال.
فقد قدم الفريق عروضاً مبهرة في غياب قائده، منها الانتصارات الكاسحة على بوليفيا وتشيلي والبرازيل (4-1)، وتطور أداء جوليان ألفاريز ليصبح سلاحاً فتاكاً متعدد الأدوار قادرًا على اللعب بجانب ميسي أو محلّه، بالإضافة إلى الشراكة الواعدة مع تياغو ألمادا.
ويؤكد اللاعبون مثل رودريغو دي بول أن وجود ميسي يظل مصدر إلهام نفسي هائل، حيث يشير الأسطورة أوسكار روجيري إلى أن تأثير ميسي القيادي يشبه دور مارادونا في 1990، دافعاً الفريق نحو مستويات استثنائية حتى مع تقدمه في السن.
شبح الإصابات وهشاشة الخط الدفاعي
وعلى الرغم من الثقة العالية، تواجه الأرجنتين تحديات جسدية كبيرة قد تعيق مسعاها، حيث يحذر بطل العالم 1978 ماريو كيمبس من صعوبة الحفاظ على الذروة البدنية بعد أربع سنوات من الازدحام المباراتي والإرهاق المتراكم.
وتبرز المخاوف بشكل حاد في الخط الدفاعي الذي كان نقطة ضعف متكررة في قطر 2022؛ فالمدرب ليونيل سكالوني يعتمد على نفس الوحدة الدفاعية تقريباً دون بدائل مقنعة، بينما يعاني الحارس إيميليانو مارتينيز من كسر في الإصبع، وقائد الدفاع كريستيان روميرو من إصابة في الركبة، كما يعود غونزالو مونتييل وناهويل مولينا من إصابات طفيفة.
وهذه الهشاشة الدفاعية تثير قلقاً حقيقياً، خاصة مع توسع نظام البطولة وإضافة دور إقصائي جديد يزيد من احتمالية الانهيار تحت الضغط.
العقلية البطولية وتحدي الفراغ التكتيكي
وفي مواجهة هذه العقبات، يعتمد المنتخب الأرجنتيني على “العقلية الفائزة” التي صقلتها السنوات الأخيرة، حيث يرى اللاعبون مثل نيكولاس تاغليافيكو أن تجربة الوصول للنهائيات المتتالية والفوز بالألقاب تمنحهم ثقة وقدرة على تجاوز الإحصائيات السلبية والإصابات، تماماً كما حدث في كوبا أمريكا 2024.
ومع ذلك، يبقى التحدي التكتيكي الأكبر هو تعويض الفراغ الهائل الذي تركه اعتزال أنخيل دي ماريا الدولي، اللاعب الذي جمع بين الموهبة والنكران الذاتي وحسم المباريات الكبرى طوال عقدين.
وبينما يمتلك الفريق قدرة رائعة على الاستحواذ والتمرير الدقيق، فإن قدرته على سد الثغرات الدفاعية والحفاظ على اللقب تحت وطأة الضغوط ستحدد كيف سيُذكر جيل 2026 في سجلات التاريخ الكروي.
