تحول معبد الإلهة هيكاتي في جنوب غرب تركيا إلى مركز روحي عالمي يقصده أتباعها المعاصرون بعد ألفي عام من تشييده، في مشهد استثنائي لا مثيل له بين آلهة الإغريق والرومان.
يقع هذا المعبد على بعد ساعة بالسيارة من بلدة أكياكا الساحلية، حيث تمتد الشواطئ المشمسة والجبال الوعرة وآثار الإمبراطوريات البائدة، لكنه يختبئ بعيداً عن مسارات الاستجمام التقليدية.
ويؤكد البروفيسور بلال سوغوت من جامعة باموكالي، المشرف على أعمال التنقيب، أن “هذا هو المعبد الوحيد بهذا الحجم الذي بني خصيصاً لهيكاتي”، مشيراً إلى أنه يشكل أكبر مجمع ديني معروف مكرس لهذه الإلهة في العالم القديم.
يرتبط المعبد بمدينة ستراتونيكيا المجاورة عبر طريق مقدس مرصوف بالحجارة يمتد لأكثر من 8 كيلومترات، حيث تنتشر على جانبيه النوافير والآبار والمستوطنات الصغيرة.
وكان هذا الطريق يستضيف مواكب دينية ضخمة، أبرزها احتفال “حمل المفتاح المقدس”، الذي تتولى فيه فتاة شابة تعرف بـ”حاملة المفتاح” نقل مفتاح مقدس بين لاغينا وستراتونيكيا برفقة كورال كبير من المنشدين.
وتشرح الباحثة هوما زيبك رمزية هذا الطقس قائلة إن المفتاح “لا يفتح الأبواب المادية فقط، بل يرمز إلى القدرة على العبور بين الحياة والموت، والوعي واللاوعي”، وتصف هيكاتي بأنها “حارسة العتبة” التي ترشد من يمرون بأزمات أو تحولات شخصية.

وتعززت مكانة المعبد بعد عام 88 قبل الميلاد، حين وقفت ستراتونيكيا إلى جانب روما في صراعها مع ميثريداتس حاكم مملكة بونتوس، فكافأها الرومان المنتصرون باستثمارات ضخمة في معبد هيكاتي وأسسوا مهرجان “هيكاتيسيا-رومانيا” السنوي الذي جذب الزوار من أنحاء العالم القديم.
ويستمر هذا الإرث حتى اليوم، حيث تقصد لاغينا أتباع معاصرون مثل الكاتبة سوريتا ديستي التي تصف نفسها بالكاهنة وتؤكد أن جماعة “عهد هيكاتي” التي أسستها تضم مجتمعاً عالمياً يبلغ مئات الأعضاء.
ويمر الطريق المؤدي إلى المعبد عبر تقاطع ثلاثي قرب محطة طاقة ضخمة ذات ثلاث مداخن شاهقة، في تذكير بصري بدور هيكاتي كإلهة لمفترقات الطرق.
يترك بعض الزوار قرابين سرية عند الأنقاض تشمل الثوم والرمان والتفاح والقمح والأسماك، في مشهد يعيد إحياء طقوس كانت تمارس قبل آلاف السنين، رغم اعتراض علماء الآثار خشية على سلامة الموقع.
ويروي الباحث الأثري إمراه أورتيكين أنه حضر طقساً مخصصاً لهيكاتي في ألمانيا، حيث شاهد أتباعها وهم يقدمون الطعام والنبيذ وينشدون تراتيل مستوحاة من نصوص يونانية قديمة وسط البخور وتوجيه الكهنة والكاهنات.
وتثير هذه الاستمرارية الحية للعبادة دهشة الباحثين، خاصة أن صورة هيكاتي تحولت جذرياً عبر العصور. فقد صورتها النصوص اليونانية القديمة، مثل “الثيوغونيا” للشاعر هيسيود، كإلهة عظيمة منحها زيوس السيطرة على الأرض والسماء والبحر، قبل أن ترتبط لاحقاً بالسحر الأسود والخوف، خصوصاً بعد مسرحية “ميديا” ليوربيديس.

وتعمق هذا الربط في أوروبا العصور الوسطى، فيما ترى زيبك في هذا التحول انعكاساً “لنظرة أوروبا القمعية للحكمة الأنثوية”.
أما أتباع هيكاتي اليوم فيرون في سحرها معنى إيجابياً مغايراً، باعتبارها مرشدة كونية وإلهة للطرق والنور والتحولات الروحية.
يجمع المعبد بين الطرازين الأيوني والكورنثي، حيث بني في القرن الأول قبل الميلاد فوق موقع مقدس أقدم، وتنتشر في أرجائه نقوش مثيرة مثل الفأس مزدوج الرأس والرموز الغامضة المنحوتة على الدرجات الحجرية.
ويصفه سوغوت بأنه “متحف للزلازل”، إذ لا تزال آثار الدمار الذي خلفته الهزات الأرضية القديمة واضحة للعيان.
وكانت لاغينا من أوائل المواقع التي نقب فيها عثمان حمدي بك، الملقب بأب علم الآثار في الدولة العثمانية، الذي منع تهريب نقوشها الرخامية المذهلة إلى النمسا وأصر على بقائها في تركيا، لتعرض اليوم في متحفي إسطنبول وموغلا للآثار.
ويختتم أورتيكين حديثه بالإشارة إلى أن بقاء هذه القطع الأثرية “منح أتباع هيكاتي مادة تاريخية وروحية غنية، فلا يوجد طقس ديني آخر بقيت تفاصيله القديمة ومواده ورموزه محفوظة بهذا القدر من الكمال”.
